بعد سنوات من النزوح القسري، عاد الأمل لأبناء ريف إدلب الجنوبي بأن يشكّل انتهاء الحرب فرصة للعودة إلى قراهم وبلداتهم، إلا أن واقعاً اقتصادياً جديداً فرض نفسه بقسوة، يتمثل في الارتفاع الكبير في أسعار الأراضي والعقارات.
هذا الواقع جعل حلم العودة والاستقرار بعيد المنال لآلاف العائلات النازحة.
فبدلاً من أن تكون العودة مرتبطة بإعادة الإعمار وتأمين الخدمات، أصبحت مرهونة بقدرة مادية لا يملكها معظم السكان الذين أنهكتهم سنوات النزوح والبطالة وغلاء المعيشة.
في السياق، قال مهاب الصالح، وهو نازح من مدينة معرة النعمان، ويقيم حالياً في أحد مخيمات ريف إدلب الشمالي، إن فكرة العودة إلى بلدته باتت شبه مستحيلة في الوقت الراهن، ليس فقط بسبب الدمار، بل نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الأراضي والشقق السكنية مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2011.
وأوضح الصالح، في حديثه لـ" العربي الجديد"، أن" العقار تحوّل إلى عبء يفوق قدرة معظم النازحين، وحتى من يملك أرضاً أو منزلاً مدمراً يحتاج إلى مبالغ ضخمة لإعادة البناء، في وقت تضاعفت فيه أسعار مواد البناء والإيجارات بشكل غير مسبوق".
وأشار الصالح إلى أن وضعه العائلي يزيد من صعوبة العودة، إذ إن عائلته كبيرة بعد أن قام بتزويج أبنائه خلال سنوات النزوح، ما يعني حاجته إلى أكثر من مسكن أو شقق مستقلة، وهو أمر خارج إمكاناته تماماً.
وأضاف أن أسعار الشقق الجاهزة أو نصف المدمرة في معرة النعمان والقرى المحيطة بها تجاوزت قدرات العائلات العائدة، ما يدفع كثيرين إلى التراجع عن قرار العودة.
ولفت إلى أن عدداً من العائلات التي حاولت الاستقرار عادت مجدداً إلى المخيمات بعد فترة قصيرة، عقب عجزها عن تحمّل تكاليف الإيجار أو ترميم المنازل، في ظل غياب أي دعم حقيقي لإعادة الإعمار أو برامج قروض ميسّرة تساعد على الاستقرار، ما يجعل العودة حلماً مؤجلاً عند كثير من النازحين.
من جهتها، قالت سناء البكور، وهي أرملة وأم لخمسة أطفال من ريف إدلب الجنوبي، إن ارتفاع أسعار الإيجارات والعقارات بات العائق الأكبر أمام أي محاولة جدية للعودة والاستقرار.
وأضافت، في حديثها لـ" العربي الجديد": " الإيجار وحده كفيل بإفشال فكرة العودة، فالبيت الذي كان إيجاره قبل الحرب خمسة أو ستة آلاف ليرة فقط، أصبح اليوم بمئات الدولارات، ونحن لا نكاد نؤمّن قوت يومنا".
وأوضحت البكور أن الأزمة لا تقتصر على الإيجارات، بل تشمل أسعار الشقق السكنية أيضاً، قائلة: " الشقة التي كان يمكن شراؤها قبل سنوات بمبلغ بسيط، أصبحت اليوم تُعرض بأكثر من 30 ألف دولار، وهو رقم خيالي بالنسبة لعائلة نازحة فقدت مصدر دخلها".
وأشارت إلى أن كثيراً من أصحاب العقارات يستغلون حاجة العائدين إلى السكن، مضيفة: " هناك استغلال واضح لحاجة الناس، فقلة المعروض وازدياد الطلب في القرى التي شهدت عودة جزئية للسكان أدّيا إلى رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه، من دون أي مراعاة للظروف المعيشية القاسية التي نعيشها".
وأكدت أن" هذا الواقع يدفع كثيراً من العائلات، خاصة الأرامل وذوي الدخل المحدود، إلى البقاء في المخيمات رغم سوء أوضاعها، لأن العودة أصبحت عبئاً مالياً لا يمكن تحمّله".
ويرى مختصون أن ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات في ريف إدلب الجنوبي يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها تقلّص المساحات القابلة للسكن بسبب الدمار الواسع، وغياب التخطيط العمراني، إضافة إلى تحوّل العقار إلى وسيلة ادخار آمنة نسبياً في ظل تراجع قيمة العملة المحلية.
كما ساهمت حركة العودة الجماعية داخل محافظة إدلب في زيادة الطلب على السكن، حيث انتقل آلاف النازحين من مناطق نزوحهم إلى الريف الجنوبي، ما رفع الأسعار بشكل تلقائي.
ويُضاف إلى ذلك ضعف الرقابة وغياب القوانين الناظمة لسوق العقارات، الأمر الذي فتح الباب أمام المضاربات والسمسرة.
بدوره، أوضح الخبير الاقتصادي أحمد السالم أن" سوق العقارات في ريف إدلب الجنوبي يعكس حالة اختلال واضحة بين العرض والطلب، فالطلب مرتفع نتيجة الرغبة في العودة والاستقرار، في حين أن العرض محدود بسبب الدمار ونقص مشاريع الإسكان، ما يؤدي حتماً إلى ارتفاع الأسعار".
وأضاف السالم، في حديثه لـ" العربي الجديد"، أن غياب مشاريع إسكان مدعومة أو برامج إعادة إعمار حقيقية يجعل السوق خاضعة لقوى غير منضبطة، و" بالتالي فإن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى تكريس النزوح كحالة دائمة، وليس مؤقتة كما كان يفترض".
وبيّن السالم أن" تأثير غلاء العقارات لا يقتصر على الجانب السكني فقط، بل ينعكس على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، فعدم عودة الأهالي يعني استمرار تفكك العائلات، وغياب اليد العاملة عن أراضيها، وتراجع النشاط الزراعي والتجاري".
وأشار إلى أن كثيراً من القرى تعاني شيخوخة سكانية، حيث لم يعد إليها سوى كبار السن، بينما بقي الشباب في المخيمات أو اتجهوا إلى الهجرة بحثاً عن فرص أفضل، ما ينذر بمستقبل غامض لتلك المناطق.
واقترح ضرورة تدخل المنظمات الإنسانية والجهات المحلية لإطلاق مشاريع إسكان منخفضة التكلفة، أو تقديم دعم لإعادة ترميم المنازل، بما يخفف العبء عن العائلات الراغبة في العودة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك