في الوقت الذي تنشغل فيه الولايات المتحدة بتداعيات الحرب في إيران، تتبنى الصين نهجًا مختلفًا يقوم على المراقبة الحذرة وتجنب الانخراط المباشر، في استراتيجية يرى محللون أنها قد تمنح بكين مكاسب طويلة الأمد دون إطلاق رصاصة واحدة، وفقًا لتحليل نشرته مجلة «الإيكونوميست».
تستند هذه المقاربة إلى مبدأ يُنسب إلى نابليون بونابرت: «لا تقاطع عدوك عندما يرتكب خطًأ»، وهو ما يبدو أنه يوجه تفكير صانعي القرار في بكين تجاه الصراع الحالي.
استنزاف أمريكي وفرصة صينيةبحسب تقديرات دبلوماسيين وخبراء صينيين، فإن الحرب تمثل خطأ استراتيجيًا من جانب واشنطن، قد يؤدي إلى استنزاف مواردها العسكرية والاقتصادية، ويُضعف حضورها العالمي، ويرى هؤلاء أن انخراط الولايات المتحدة في صراع طويل بالشرق الأوسط سيؤدي إلى تحويل تركيزها بعيدًا عن شرق آسيا، وهي الساحة الأهم للمصالح الصينية.
كما يتوقع مراقبون أن تؤدي تداعيات الحرب، خاصة ارتفاع أسعار الطاقة، إلى زيادة الضغوط على حلفاء واشنطن، ما قد يثير تساؤلات حول موثوقية الولايات المتحدة كشريك استراتيجي.
بكين تعزز حصانتها الاقتصاديةفي الداخل، تستخدم القيادة الصينية الحرب لتأكيد صواب سياسات الاعتماد على الذات التي يدفع بها الرئيس شي جين بينج، والتي تشمل تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي من النفط، وتنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية.
كما تواصل الصين الحفاظ على علاقات اقتصادية مع إيران، بما في ذلك تسهيل تجارة النفط، في إطار نهج براجماتي يهدف إلى تأمين احتياجاتها بعيدًا عن الضغوط الغربية.
أوراق ضغط في مواجهة واشنطنبالتوازي، تعمل بكين على بناء أدوات نفوذ مضادة، من بينها السيطرة على سلاسل توريد العناصر الأرضية النادرة، التوسع في تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، وتطوير قدرات في قطاعات حيوية مثل الأدوية والرقائق الإلكترونية.
وتهدف هذه الخطوات إلى خلق نقاط ضغط يمكن استخدامها في أي مواجهة اقتصادية أو تكنولوجية مع الولايات المتحدة.
فرص اقتصادية في ظل الفوضىترى الصين أيضًا في الحرب فرصًا اقتصادية، خاصة في إعادة إعمار الدول المتضررة وتصدير التكنولوجيا الخضراء مثل الطاقة الشمسية والرياح والبطاريات، وتوسيع نفوذها في أسواق الطاقة والبنية التحتية، كما تأمل بكين في استغلال انشغال واشنطن لتحسين شروط التفاوض معها، سواء في ملفات التجارة أو القيود التكنولوجية.
ورغم هذا التفاؤل الحذر، لا تخلو الرؤية الصينية من مخاوف، إذ يدرك المسؤولون أن الحرب قد تتصاعد بشكل غير متوقع، والاضطرابات العالمية قد تضر بالصادرات الصينية، وأي فوضى واسعة قد تهدد النظام الاقتصادي الدولي الذي استفادت منه الصين لعقود.
كما تثير التطورات العسكرية، بما في ذلك استخدام الولايات المتحدة لتقنيات متقدمة في إدارة العمليات، تساؤلات داخل الأوساط الصينية حول طبيعة الحروب المستقبلية.
ولا تسعى الصين إلى الانتصار في الحرب بشكل مباشر، بل إلى تحقيق مكاسب استراتيجية عبر استنزاف الخصم، وتعزيز موقعها الاقتصادي والتكنولوجي، واستغلال الفرص الناتجة عن الفوضى، لكن هذا الرهان يظل محفوفًا بالمخاطر، إذ إن عالمًا أكثر اضطرابًا قد لا يخدم بالضرورة مصالح بكين، حتى وإن بدا في ظاهره مقلصًا لنفوذ واشنطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك