بعد أعوام من السجال والمناشدات للإبقاء على مبنى متحف الفنان المصري نبيل درويش في سقارة، هدَمت الثلاثاء الماضي، هيئة الطرق والكباري في القاهرة مبنى الفنان الراحل (1936 - 2002)، الذي يُعد أحد أبرز المشتغلين بفنّ الخزف في مصر.
بدت مشاهد الهدم التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي أقرب إلى عملية إزالة روتينية، تُنفَّذ ضمن مشروع أكبر لتوسعة طريق أو لمبنى مخالف.
وخلال ساعات، اختفى البناء الذي ظل قائماً لأكثر من أربعة عقود، فاتحاً أبوابه للمهتمين بفن الخزف، حيث تشكَّل المبنى، الأقرب إلى البيت المتحفي، تدريجياً منذ أن أسّسه الفنان عام 1983.
وعلى مدار سنوات، جمع نبيل درويش داخله آلاف القطع الخزفية التي أنجزها بيده أو اقتناها، إلى جانب مكتبته وأدواته، وحتى تفاصيل حياته اليومية.
بدأت أزمة المتحف قبل خمس سنوات مع إدراج المنطقة ضمن خُطط تطويرٍ مروري تستهدف توسيع الطريق الدائري، وهو أحد المحاور المرورية الرئيسية في العاصمة المصرية.
ومع مرور الوقت، تحوّل الخطر إلى واقع، رغم مطالبات متكررة من فنانين ومثقفين بضرورة الحفاظ على المتحف، أو نقله بطريقة تحافظ على طابعه، لكن في النهاية، حُسم الأمر لصالح المشروع، باعتباره جزءاً من خطة بنية تحتية لا تقبل التأجيل.
تأسّس عام 1983 ويضم آلاف القطع الخزفية ومقتنيات الفنان الشخصيةفي حالة نبيل درويش، كان المكان جزءاً من التجربة، لا مجرد وعاء لها.
فموقعه في منطقة سقارة، الواقعة جنوب القاهرة، وعلى تخوم الصحراء، وبالقرب من مناطق الحرف التقليدية في الحرانية، لم يكن اختياراً عارضاً.
هناك، تتجاور ورش الخزف والسجاد اليدوي، وتتشكل علاقة مباشرة بين المادة الخام والعمل الفني.
هذا السياق منح المتحف خصوصيته، وجعله جزءاً من نسيج بصري وثقافي أوسع نشأ خارج التخطيط الرسمي.
ومن هنا تبدو فكرة نقل المتحف إشكالية بطبيعتها، فوزارة الثقافة أعلنت بالفعل عن نقل المقتنيات إلى موقع بديل، مع خطط لإعادة عرضها ضمن مشروع جديد.
غير أن هذا الحل، رغم ضرورته، يظل جزئياً، إذ يمكن الحفاظ على القطع، لكن يصعب إعادة إنتاج العلاقة التي كانت تربطها بالمكان الأصلي.
المتاحف التقليدية تُبنى وفق تصور مسبق، من قاعات عرض وإضاءة ومسارات للزوار، أما المتاحف الفردية، مثل متحف نبيل درويش، فتتشكل بطريقة عضوية، كل قطعة توضع في مكانها نتيجة تفاعل طويل، لا وفق خطة عرض مُعدة سلفاً.
في المقابل، لا يمكن تجاهل منطق الدولة في التعامل مع مشاريع البنية التحتية، خاصة في مدينة تعاني من ضغط مروري مزمن مثل القاهرة.
توسعة الطرق تُطرح بوصفها ضرورة ملحة، لكن الإشكال يظهر حين تتقاطع هذه الضرورة مع مواقع تحمل قيمة ثقافية خاصة، دون وجود آليات واضحة للموازنة بين الطرفين.
بهدم متحف نبيل درويش، تخسر القاهرة واحداً من النماذج النادرة لما يمكن تسميته" المتحف الشخصي".
ربما ينجح المشروع الجديد في الفسطاط في تقديم أعمال الفنان بشكل لائق، لكن ما لن يكون متاحاً هو استعادة ذلك التداخل الخاص بين الفن والمكان، الذي كان يمنح المتحف معناه الحقيقي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك