يجهد سمعان (مروان وليد) في" خروج آمن" من واقع يعيش فيه مصائب جمّة.
يريد متنفّساً، أو ربما يوهم نفسه والآخرين بذلك، مع أنّ يومياته تشي بها (المصائب).
حارس مدني لمبنى يُقيم فيه (شقة مُزرية على السطح)، يظنّ أنّ كتابة رواية (تقول شيئاً أو أكثر عنه) كافيةٌ لمتنفّس مرغوب فيه، لكنّه مُغيّب لشدّة بؤس يحاصر ذاك الواقع نفسه.
يحمل في ذاته ثقل جريمة تُرتكب بوالده (القصة حقيقية: داعش يذبح 21 قبطياً مصرياً في المدينة الليبية سرت، في 15 فبراير/شباط 2015)، فيحاول" خروجاً آمناً" من ذاك الثقل، من دون فائدة.
مراراً، يُنقذ شاباً أصولياً، يسكن رفقة والدته في المبنى نفسه، من مداهمات رجال شرطة وأمن، فالشاب (كما يبدو) مطلوبٌ لانتمائه إلى جماعة إسلامية متشدّدة.
مع هذا، سيعثر في النهاية على منفذ للخلاص من ذاك الشاب، ظنّاً منه أنّ خلاصاً كهذا سيرتدّ عليه إيجاباً (المُشاهدة تكشف ما يفعله سمعان).
هذا في" خروج آمن"، جديد المصري محمد حمّاد، المعروض أولاً في بانوراما الدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين السينمائي (برليناله)، إضافة إلى مسائل أخرى.
شدّة الفقر تظهر أيضاً في واقع فاطمة (نهى فؤاد)، التي يُشار إليها بصفتها فتاة ليل، قبل انكشاف إصابتها بمرضٍ سرطاني، تعجز عن معالجته.
علاقة غير واضحة تماماً تنشأ بينها وبين سمعان، الذي يرضخ لاستقبالها في شقّته المزرية تلك، محاولاً (لاحقاً) مساعدتها، من دون جدوى.
الفقر يسود الحكاية برمّتها (كتابة حمّاد)، كانعكاسٍ لحاصلٍ في مدينة (القاهرة، أمْ غيرها؟ )، يسوء وضعها متنوّع الجوانب (اجتماعياً واقتصادياً وحياتياً وطبقياً وطائفياً.
إلخ)، مع أنّ الكاميرا (تصوير محمد الشرقاوي) غير ملتقطة هذا كلّه خارج المبنى (يندر خروجها منه أصلاً، فالغالببية الساحقة مما يحصل في 113 دقيقة سيكون في المبنى)، فداخله نواة درامية تنقل بعض الحقيقيّ، بأسلوب يمزج الحركة البطيئة/الهادئة للكاميرا بغليان شبه خفيّ لأحداث متلاحقة وشخصيات مضطربة، وبعض الشخصيات عابرٌ (سكّان المبنى)، لكنّ عبوره غير خافٍ فداحة التمزّقات والانكسارات والخيبات.
في مقالة له، يكتب تيم غريرْسن، كبير نقّاد" سكرين دايلي" (14 فبراير/شباط 2026)، أنّ" الوجوه الحزينة الصامتة للشخصيات تُعبِّر عن الكثير".
يصف" خروج آمن" بـ" دراما هادئة"، وحارس الأمن بـ" شاب عاجز عن التحرّر من الروتين الرتيب لحياته".
يعتبر الفيلم" قصة الحزن والصدمة"، وأداء مروان وليد" متحفّظ للغاية"، والتحفّظ الدقيق هذا" يعكس المواضيع الأوسع"، ومنها: " كيف يقاوم هذا الحارس تكوين علاقات مع الآخرين، في أعقاب المآسي التي يمرّ بها".
هذا يدعو إلى تأمّل أكبر في نصّ، يرتكز على تحليل تلك الشخصية المحورية (سمعان)، الذي (التحليل) يمزج علم النفس بالسلوك البشري في بيئة فقيرة (رغم أنّ في بعض سكّان المبنى ما يشي بوضع اجتماعي/اقتصادي أفضل بقليل)، ويتذكّر نزاعات طائفية مريرة، في بلدٍ غير" آمن" بمستويات كثيرة، بينها المستوى الطائفي/الديني.
بهذا، يغوص النص في معضلات بيئة، يزداد اختناقها يوماً تلو آخر.
فكلّ شيء مسدود أمام أفرادٍ (أيُشكّلون الغالبية الساحقة من مواطني البلد ومواطناته؟ )، يريدون حدّاً أدنى من عيشٍ" آمن" وهادئ وطبيعي.
سمعان يريد خروجاً آمناً من رتابة عيش، محاصَرٍ بذكريات أليمة وواقع خانق وراهن ثقيل.
والبلد موصدة أبوابه ونوافذه كلّها (التصوير بمجمله داخلي، في غرف وأمكنة وممرات ضيقة ومنغلقة)، وسطح المبنى، الذي يُظنّ أنّه متنفّس، يضيق على سكّانه (تصميمه، رغم انفتاحه على الهواء الطلق، يشي باختناق، ربما لأنّ التصوير غامقٌ، واللون الرمادي غالبٌ، وضيق المساحات يعكس حصاراً قاسياً).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك