التقى القائم بأعمال السفارة الفرنسية في سوريا جان باتيست فافر محافظ السويداء مصطفى البكور، خلال زيارة أُجريت يوم الخميس، في خطوة تضع الحضور الفرنسي في الملف ضمن مستوى يتجاوز التصريحات السياسية إلى الانخراط الميداني المباشر.
اللقاء، الذي تناول تعزيز الأمن والاستقرار وآفاق التعاون، جاء في توقيت يتزامن مع حديث رسمي عن اقتراب إغلاق ملف السويداء، في ظل جهود حكومية لـ" سد الفجوات وتحسين الخدمات"، ما يمنح التحرك الفرنسي بعداً يتجاوز الطابع البروتوكولي إلى متابعة مرحلة ما بعد التهدئة.
وقد جدّد القائم بالأعمال الفرنسي خلال اللقاء دعم بلاده لوحدة سوريا وسيادتها، في موقف ينسجم مع الخطاب الفرنسي المعلن، لكنه يأتي هذه المرة من داخل المحافظة نفسها، وليس عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية.
من دعم سياسي إلى اقتراب من تفاصيل الملفلا يمكن قراءة هذه الزيارة بمعزل عن مسار فرنسي متدرج في التعاطي مع ملف السويداء، بدأ منذ تصاعد التوترات في المحافظة خلال عام 2025.
ففي أيلول من ذلك العام، كانت فرنسا، عبر خارجيتها، من أوائل الدول التي علّقت على خارطة الطريق التي طرحتها دمشق، معتبرة أنها “مرحلة أولى مشجعة لخفض دائم للتصعيد"، مع دعوة واضحة إلى تسريع تنفيذها، ومواصلة الحوار، وضمان حماية المدنيين دون تمييز.
هذا الموقف عكس تبنّي باريس لمقاربة تقوم على دعم “المسارات المحلية" للحل، وربط الاستقرار الأمني في السويداء بآليات العدالة والمصالحة، وهي عناصر عادت لتظهر بشكل أوضح في الموقف الفرنسي مطلع عام 2026.
فخلال لقاء وزير الخارجية الفرنسي بنظيره السوري في باريس في 6 كانون الثاني، وضعت السويداء ضمن سياق أوسع يتعلق بالانتهاكات وملف العدالة الانتقالية، حيث شدد الوزير الفرنسي على دعم بلاده لكشف الانتهاكات التي طالت مدنيين في الساحل والسويداء، معتبراً أن ذلك شرط أساسي لإعادة بناء الثقة.
كما ربطت باريس هذا المسار بمرحلة “سوريا الجديدة"، وبإعادة الانخراط الدولي في ملفات الاستقرار وإعادة الإعمار، ما يعكس إدراج السويداء ضمن مقاربة سياسية أشمل، وليست مجرد حالة أمنية محلية.
قنوات موازية وتحرك عبر بيروتبالتوازي مع هذا المسار المباشر، تظهر مؤشرات على تحرك فرنسي عبر قنوات دبلوماسية موازية، خاصة في لبنان، الذي يشكّل ساحة تقاطع تقليدية للملفات السورية.
ففي 11 آذار الفائت، جمع لقاء بين القائم بأعمال السفارة السورية في بيروت إياد هزاع والسفير الفرنسي لدى لبنان هيرفي ماغرو، حيث بحث الطرفان التطورات الإقليمية و" جهود تحقيق الاستقرار في المنطقة"، في صياغة تعكس انخراطاً مشتركاً في متابعة ملفات تتجاوز الإطار الثنائي.
وتعزز هذا المسار بلقاء آخر، يوم الأربعاء الفائت، جمع هزاع بالزعيم اللبناني وليد جنبلاط، تناول تطورات الأوضاع في لبنان والمنطقة، إضافة إلى ملفات ذات اهتمام مشترك، في ظل الدور التقليدي لجنبلاط في ملفات الجنوب السوري وارتباطاته التاريخية بمحافظة السويداء.
ويشير تزامن هذه اللقاءات مع التحرك الفرنسي المباشر في السويداء إلى وجود مقاربة متعددة المسارات، تجمع بين الانخراط المحلي والتحرك الدبلوماسي الإقليمي.
تطرح المعطيات المتراكمة تساؤلات حول ما إذا كان التحرك الفرنسي يعكس نمطاً متدرجاً يبدأ من دعم سياسي وإصدار مواقف، ويمتد إلى متابعة ملفات العدالة والاستقرار، وصولاً إلى الحضور الميداني المباشر.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل حول ما إذا كان هذا المسار، رغم عدم تحوله إلى مبادرة سياسية معلنة حتى الآن، يتجاوز حدود التصريحات التقليدية باتجاه محاولة التأثير في مسار معالجة الملف، خاصة في مرحلة ما بعد التوترات.
كما يثير تركيز باريس على مفاهيم مثل “الحوار” و”العدالة” و”الاستقرار المحلي” تساؤلات حول احتمال توجهها لدعم نماذج إدارة محلية للأزمة، ضمن إطار يحافظ على وحدة الدولة، في ظل خصوصية ملف السويداء وتعقيداته.
وفي المحصلة، يبدو أن هذه المؤشرات تفتح الباب أمام قراءة التحرك الفرنسي كمسعى محتمل لتثبيت حضور تدريجي في الملف، مستفيداً من تراجع حدة التوترات والانفتاح السياسي النسبي.
ورغم غياب إعلان رسمي عن مبادرة فرنسية، فإن تسلسل التحركات، من باريس إلى بيروت وصولاً إلى السويداء، يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت باريس تحاول حجز موقع في مسار معالجة الملف، سواء عبر الدعم السياسي أو الحضور الدبلوماسي المباشر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك