عقدت في القصر العدلي بمدينة حلب الجلسة الرابعة لمحاكمة عدد من المتهمين المتورطين في أحداث الساحل السوري الأخيرة، وهي الجلسة التي شهدت تطورات دراماتيكية على صعيد الأدلة الجنائية والمرافعات القانونية.
وأوضح أسامة السبع، معاون رئيس النيابة العامة، لتلفزيون سوريا خلال برنامج سوريا اليوم، أن الجلسة ركزت بشكل أساسي على مواجهة المتهمين بمجموعة من الوثائق والأدلة الرقمية الجديدة التي تم استخراجها وتدقيقها مؤخراً.
وقال إن هذه الأدلة الجديدة، التي تشمل مقاطع مصورة وتسجيلات صوتية، جاءت لتدحض الروايات التي قدمها المتهمون في الجلسات السابقة، حيث زعموا أن التشكيل العسكري الذي انتموا إليه كان مجرد" مجموعة إنسانية" تهدف لجمع المساعدات وتوزيع الأموال على المحتاجين.
وأضاف السبع أن المقاطع المعروضة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا التشكيل هو" لواء مقاتل ميداني" يمتلك هيكلية عسكرية واضحة، مشيراً إلى أن المتهمين أنفسهم ظهروا في تلك المقاطع واعترفوا في مواجهات مباشرة بأنها عائدة لهم، مما دفع هيئة الدفاع للمطالبة بإجراء خبرة فنية معمقة للتأكد من سلامة هذه المقاطع من أي تلاعب رقمي.
المحاسبة تبدأ بـ 14 متهماًوفي سياق التحليل القانوني لهذه المحاكمة، أوضح المحامي والخبير القانوني من حلب، زكريا ميلاجي، أن هذه القضية تمثل تحدياً كبيراً للمنظومة القضائية السورية في مرحلتها التأسيسية.
وقال ميلاجي إن المحاكمة الحالية تشمل 14 متهماً، تم تقسيمهم مناصفة، سبعة منهم من" فلول النظام" المتهمين بالاعتداء على مراكز الأمن العام، والسبعة الآخرون متهمون بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين في القرى العلوية بالساحل السوري.
وأضاف ميلاجي أن حصر المحاكمة في 14 شخصاً فقط يثير تساؤلات مشروعة، خاصة وأن الرقم المعلن للمشتبه بهم والمطلوبين يصل إلى 563 شخصاً.
وأوضح أن غياب الأغلبية الساحقة من المتهمين يعود إلى أسباب إجرائية؛ فمنهم من لا يزال قيد التحقيق الأولي، ومنهم من ثبت أن انتهاكاته بسيطة لا ترتقي لمستوى الجنايات الجسيمة، ومنهم من لا يزال متوارياً عن الأنظار وتلاحقه الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية.
وأكد أن توزيع المتهمين يتم بناءً على توصيف الجرم ومدى ثبوتية الأدلة في مرحلة التحقيق، مشيراً إلى أنه لا يمكن لمحكمة واحدة استيعاب هذا الكم الهائل من المتهمين دفعة واحدة، مما يستوجب توزيعهم على غرف قضائية متعددة.
من جانبه، قدم المحامي المتخصص في القانون الجنائي، إياد مصطفى، قراءة نقدية مغايرة للمشهد من باريس.
وقال مصطفى إن ما يجري في القصر العدلي بحلب هو" نهج ومنهجية" تتبعها السلطة المؤقتة في دمشق لتمييع ملف العدالة الانتقالية.
على حد تعبيره.
وأضاف أن هناك علامات استفهام كبرى حول تشكيل اللجنة الوطنية للتحقيق، معتبراً أن" السلطة الحالية هي طرف ومتورطة في هذه النزاعات، فكيف يمكن لخصم أن يكون حكماً ويشكل لجنة للتحري عن جرائم هو جزء منها؟ ".
وأوضح مصطفى أن التقرير الدولي الصادر عن الأمم المتحدة، وإن تقاطع في بعض النقاط مع تقرير اللجنة الوطنية بخصوص أعداد الضحايا التي بلغت 1426 قتيلاً خلال ثلاثة أيام فقط، إلا أنه يختلف في الجوهر القانوني، مبيناً أن حصر المحاكمة في أحداث الساحل الأخيرة وإهمال الانتهاكات الجسيمة التي وقعت على مدار 15 عاماً من حكم النظام المخلوع يعكس رغبة في تقديم" رسالة تجميلية" للمجتمع الدولي تزعم الشفافية والعلنية، بينما الواقع يشير إلى" مسرحية قانونية" لا ترتقي لمستوى حجم الكارثة الاجتماعية والإنسانية التي خلفتها تلك الأحداث.
وفيما يتعلق بالاختصاص القضائي، بين مصطفى أن القانون السوري والإعلان الدستوري يفرضان محاكمة المتهمين بالاعتداء على العسكريين أمام القضاء العسكري، و نقل الاختصاص إلى القضاء المدني بقرار تنظيمي من وزير العدل هو إجراء يثير الريبة.
ولفت إلى أن نقل المحاكمة من مكان وقوع الجرم في اللاذقية أو طرطوس إلى مدينة حلب يصعب من عملية جلب الشهود والخبراء، ويمنع المحكمة من الانتقال لمعاينة مسرح الجريمة بشكل دقيق، مما قد يؤثر على نزاهة الأحكام النهائية.
الأحكام القضائية قبل نهاية العاموعقب الأستاذ زكريا ميلاجي على هذه النقطة، موضحاً أن سوريا تمر بمرحلة تأسيسية لا يمكن فيها الركون لمنظومة القضاء العسكري السابقة التي كانت" إرثاً قمعياً" بحد ذاتها.
وقال ميلاجي إن اختيار القضاء المدني (الجنايات) هو محاولة لإضفاء صبغة مدنية دستورية على المحاكمات، بعيداً عن قوانين الطوارئ والمحاكم الاستثنائية، والمدة الزمنية التي استغرقتها المحاكمة حتى الآن (نحو ستة أشهر منذ نوفمبر 2025) تعتبر فترة وسطية ومقبولة في عرف محاكم الجنايات، متوقعاً أن تبدأ المحكمة بالنطق بالأحكام قبل نهاية العام الجاري.
وفي ختام الحوار، أوضح مصطفى أن العدالة لا تكتمل فقط بالملاحقة الجنائية للمجرمين، بل يجب أن تشمل مساراً كاملاً لجبر ضرر الضحايا وكشف الحقيقة والاعتذار الرسمي، ويعاني الجهاز القضائي الحالي من خلل بنيوي، حيث تتم التعيينات بناءً على الولاء لا الكفاءة، مما يجعل هذه المحاكمات" مضيعة لوقت السوريين" وهروباً من الاستحقاقات الكبرى للعدالة الانتقالية الشاملة التي تنصف جميع الضحايا دون استثناء أو تمييز بين منطقة وأخرى أو طرف وآخر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك