بصفتي مخططاً استراتيجياً، تعودت أن أنظر إلى العالم من زاوية مختلفة قليلًا؛ زاوية لا تبحث فقط عمّا يحدث الآن، بل عمّا قد يحدث لاحقاً.
وعليه، بات جزء كبير من يومي يدور حول تفكيك المخاطر، ترتيبها، توقع احتمالية وقوعها، والبحث عن استجابات لها وطرح السؤال الصعب: ماذا لو؟ ماذا لو انقطعت الإمدادات؟ ماذا لو تعطلت الطاقة؟ ماذا لو حدث ما لا نريد أن نفكر فيه أصلاً؟ هذه ليست سوداوية، بل محاولة هادئة كأفراد لفهم المجهول والاستعداد له دون ضجيج أو مبالغة.
إن ما نعيشه اليوم لم يعد عالماً مستقراً يمكن التنبؤ به بسهولة، فنحن أمام واقع تتسارع فيه الأزمات، وتتشابك فيه السياسة بالاقتصاد بالمجتمع، وتؤثر فيه قرارات غبية قد يتخذها" المجنون البرتقالي" أو سلفه النائم في أقصى العالم على تفاصيل بسيطة في حياتنا اليومية.
من تعامل مع جائحة قلبت العالم، إلى حروب لا تهدأ، وصولاً إلى تصعيدات العدوان الأميركي الأخير على إيران، وما تبعها من ضربات ومن تهديدات للممرات البحرية الحيوية، كلها مؤشرات على أن سلاسل الإمداد التي نعتمد عليها أكثر هشاشة مما نتصور.
لقد أصبح من الواضح أن أي اضطراب في هذه السلاسل لن يقتصر على الطاقة والنقل، بل سيمتد إلى الغذاء والدواء والصناعة والخدمات الأساسية.
سلعة صغيرة قد تختفي من الأسواق لأن مكوناً واحداً لم يصل، ومصنع قد يتوقف لأن شحنة تأخرت، ومرافق قد تتعطل لنقص الطاقة، ودولة قد تعاني لأن ممراً بحرياً أصبح غير آمن.
هذا الترابط الذي كان مصدر قوة الاقتصاد العالمي، أصبح أيضاً نقطة ضعف في أوقات الأزمات.
في هذا السياق، تجد الحكومات نفسها أحياناً في موقف معقد.
إن تحدثت بصراحة عن المخاطر، تخاف من إثارة الهلع، وإن صمتت، قد تُتهم بعدم الاستعداد.
وبين هذا وذاك، يتردد القرار أحياناً، ويُترك الأفراد في مساحة من الغموض.
وهنا تحديداً، أرى أن الاستعداد الفردي لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة هادئة بعيداً عن الهلع والمبالغة.
وأنا لا أتحدث عن عقلية الاستعداد لنهاية العالم، ولا عن تكديس السلع بدافع الخوف، بل عن شيء أقرب إلى ما كان يفعله أجدادنا عبر الإدارة الحكيمة للبيت.
الاستعداد، كما أفهمه وأمارسه، هو ببساطة أن أكون جاهزاً دون أن أعيش في قلق، وأن أرتب حياتي بطريقة تمنحني هامش أمان إضافياً معقولاً دون أن تسرق مني طمأنينتي.
الاستعداد كما أفهمه وأمارسه، هو ببساطة أن أكون جاهزًا دون أن أعيش في قلق، وأن أرتب حياتي بطريقة تمنحني هامش أمان إضافيًا معقولًا دون أن تسرق مني طمأنينتي، بعيدًا عن عقلية نهاية العالم أو تكديس السلع بدافع الخوف.
حين أفكر في الأدوية مثلاً، خاصة للأمراض المزمنة، وكوني إنساناً عانى من انقطاعها وقت الاستقرار، أتعامل معها باعتبارها أولوية لا تقبل المخاطرة.
وجود مخزون يكفي أشهراً إن أمكن ليس مبالغة، بل إدراك لحقيقة أن أي اضطراب في الإمدادات قد ينعكس فوراً على توفرها، حتى لو كانت تُصنّع محلياً، لأن كثيراً من مكوناتها يعتمد على الخارج.
وفي لحظة نقص، يصبح هذا الاستعداد البسيط فارقاً حقيقياً.
ثم هناك التفاصيل التي تبدو عادية في الأيام الطبيعية، لكنها تصبح حاسمة في الأزمات.
حقيبة إسعافات أولية مكتملة، طفاية حريق جاهزة، وبعض الأدوات اليدوية التي تسهّل إصلاح ما يمكن إصلاحه دون انتظار.
هذه ليست رفاهية، بل امتداد طبيعي لفكرة الاعتماد على الذات عند الحاجة.
أما الطعام، فلا أراه مسألةَ تخزين بقدر ما هو إدارة ذكية.
لا أشتري ما لا أستهلك، وأستهلك ما أشتريه، وأحاول أن أبني مخزوناً بسيطاً متحركاً شاملاً لا تعتمد صلاحيته على توفر الكهرباء للتبريد ويكفي مدة معقولة، يدور باستمرار دون أن يتلف.
هي نفس فكرة" المونة" التي عرفناها، لكن بروح أكثر تنظيماً ووعياً.
وإذا كان هناك عنصر واحد يجب وضعه في المقدمة دائماً، فهو الماء.
توفر مياه الشرب ليس تفصيلاً يمكن تأجيله، بل الأساس الذي يقوم عليه كل شيء.
لذلك، فإن تخزين كمية كافية لكل فرد لعدة أيام أو أسابيع ليس خياراً، بل ضرورة بسيطة، لكنها قد تكون حاسمة وقت الأزمات.
في موضوع الطاقة، تغيرت قناعاتي مع الوقت.
جربت سابقاً مولدات البنزين، وشخصياً وجدت أنها ليست حلاً عملياً على المدى الطويل، لا من حيث الكلفة ولا من حيث الاستمرارية.
اليوم أميل أكثر إلى حلول الطاقة الشمسية والبطاريات التي أصبحت أكثر توفراً وتطوراً وأسهل استخداماً، وتمنح قدراً من الاستقلالية في أوقات انقطاع الكهرباء.
وفي المقابل، لا أرى في تخزين الوقود، بصفتنا أفراداً في مدن، خياراً آمناً أو مجدياً، نظراً إلى خطورة التعامل معه وقصر مدة صلاحية بعض أنواعه، فقط تأكد من أن خزان الوقود في سيارتك ممتلئ باستمرار إن كنت تستطيع تحمل كلفة ارتفاع سعر الوقود.
وفي عالم يعتمد بشكل شبه كامل على الأنظمة الرقمية، تعلمت ألا أُهمل التفاصيل القديمة.
الاحتفاظ بمبلغ نقدي صغير، خصوصاً بفئات صغيرة، قد يبدو أمراً بسيطاً، لكنه يصبح ضرورياً عندما تنقطع الكهرباء أو الإنترنت، وتتحول البطاقات البنكية إلى مجرد قطع بلاستيكية لا يتعامل معها أحد.
كل ما سبق لا يعني أنه علينا العيش في حالة ترقب دائم، ولا توقع الأسوأ في كل لحظة.
بل على العكس، أرى أن هذا النوع من الاستعداد بعد التوكل على الله هو ما يمنحنا راحة أكبر، لأنه يحررنا من بعض القلق.
أن نعيش حياتنا بشكل طبيعي، لكن مع قدر من الجاهزية الهادئة، دون مبالغة ودون إنكار.
ففي النهاية، الحكمة ليست في الخوف من المستقبل، بل في أن نكون مستعدين له مهما حمل من مفاجآت، لنحمي أنفسنا ومن نحب دون أن نربك الأسواق أو نساهم في رفع الأسعار، داعين الله أن يحفظ البلاد والعباد ويجعلنا دائماً من المتوكلين الواعين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك