تناقلت وكالات الأنباء والمواقع الإخبارية منذ أيام خبرًا عن كشف أثري جديد يعتبر كنزًا فريدًا من نوعه، يتمثل الكشف الجديد في دير في منطقة وادي النطرون يعود تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي، وأهمية ذلك الكشف الأثري لا ترجع إلى كونه أحد الأديرة القديمة فقط، بل لأن الكشف الجديد تضمن مباني الدير بكاملها المتألفة من طابق واحد، وهذا الكشف ينظر له الأثريون والمؤرخون نظرة خاصة لها أهميتها العلمية الكبيرة؛ إذ أنه يؤرخ لبدايات الرهبنة في مصر والعالم كله.
ولما كنت مهتمه بتاريخ الرهبنة والديرية وحياة الرهبان في مصر، وكتبت عدة موضوعات تتعلق بلأديرة وتاريخها مثل" " صفحات من تاريخ الضيافة والإحسان في الأديرة المصرية في العصر البيزنطي ودورها في التنمية السياحية"، و" الأطعمة والأشربة في الأديرة المصرية في العصر البيزنطي (دراسة تاريخية في ضوء سياحة الطعام Food Tourism)، و" ظاهرة تعامد الشمس في بعض الكنائس المصرية واستثمارها سياحيًا" كنيسة الملاك ميخائيل الأثرية بكفر الدير نموذجًا" وغيرها.
أثار اهتمامي هذا الكشف، والعجيب أن هذا الدير المكتشف حديثًا ظل رغم عوامل الزمن المختلفة صامدًا في قلب وادى النطرون بكل تفاصيله طوال ستة عشر قرنًا من القرن الرابع الميلادي حتى الآن، ومن المعروف أن منطقة وادى النطرون تعد من أهم المراكز الروحية والتاريخية في مصر ومركزًا مهمًا للرهبنة في مصر، وهذا الاكتشاف يؤكد دور هذه المنطقة كمركز للرهبنة المبكرة التي وجدت طريقها من أم الدنيا مصر إلى سائر أنحاء العالم.
ومن المنظور التاريخي تعتبر الرهبنة هي هدية مصر للعالم المسيحي، وكلمة رهبنة مشتقة من فعل يوناني يعني" يعيش وحيدًا" أو" منعزلًا" أو" متوحدًا".
والرهبنة أسلوب حياة يعتزل فيه الفرد المجتمع ليتفرغ للعبادة والصلاة والتأمل ويحيا حياة عزلة ونسك متبتلًا تاركًا مفاسد العالم وشروره.
يرجع تاريخ ظهور الرهبنة في مصر بعد ظهور المسيحية وانتشارها في الأراضي المصرية، وكان أول من مارس هذه الرهبنة شخص يدعى فرونتونيوس 138-161م الذي قام، ومعه سبعون شخصًا، وبغرض النسك والتعبد باعتزال المجتمع والحياة في ذلك الوقت واتجه إلى صحراء نيتريا، وهي منطقة صحرواية شاسعة في الصحراء الغربية لمصر تقع جنوب الإسكندرية- في الوادي المعروف بوادى النطرون.
وبعد موت فرونتونيوس استمرت حياة النسك والعزلة في المنطقة نفسها حتى وصلنا للقديس" أمون الكبير" الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للنظام الرهباني في جبل نيتريا في الربع الأخير من القرن الثالث الميلادي، وقد شاعت سيرته وتوافد إليه الكثيرون من الأتباع وعاشوا حول صومعته في نيتريا وبلغ عددهم حوالى ثلاثة آلاف راهب في هذا الوقت المبكر.
ونتيجة لزيادة عدد الرهبان في نيتريا اتجه بعض النساك إلى منطقة أخرى تُسمى كيليا (القلالي) -تقع غرب نيتريا بحوالي خمسة عشر كيلو مترًا في الصحراء الغربية- وقد عرفت هذه المنطقة بهذا الاسم لانتشار قلالي (صوامع) الرهبان بها، وهي تقع على الطريق بين" نيتريا" وصحراء الإسقيط" برية شيهيت"، بعد أن ازدحمت لرغبة بعضهم فى الانفصال عن بقية الرهبان ليعيشوا في عزلة تامة، وكانت هذه المنطقة عبارة عن صحراء مقفرة، تفتقر إلى موارد الحياة إلا أنها تناسب هؤلاء النساك الذين يرغبون في مزيد من العزلة والتقشف.
وعاش الرهبان في كيليا في عزلة تامة وابتعدت قلاليهم عن بعضها البعض مسافات طويلة تقدر بنحو ثلاثة إلى أربعة أميال وفي تقشف تام، وبلغ بعضهم في التفنن في النسك والزهد ومقاومة الشهوات وإماته الجسد حدًا يصعب على الإنسان تصوره، وكانوا لا يتركون قلاليهم في الصحراء للاجتماع ببعضهم إلا يومي السبت والأحد من كل أسبوع لحضور صلوات القداس.
وأصبح القديس أمون رئيسًا لهذه الجماعات يعظهم ويرشدهم إلى مبادئ الرهبانية التي تعلمها على يد القديس أنطونيوس حتى وفاته.
وينسب إلى هذه المنطقة أيضًا القديس مقاريوس الكبير(300-390م) مؤسس الرهبنة في الإسقيط (برية شيهيت).
وقد زار القديس أنطونيوس بالصحراء الشرقية ومارس على يديه حياة النسك حوالى سنة 335م ثم اتجه إلى نيتريا وتتلمذ على يد القديس بامو، الذي تولى رئاسة الجماعات الرهبانية بعد أمون، وزار كذلك الأنبا باخوميوس في طبانيس أو" تابنيس" - تقع حاليًا بالقرب من دندرة على الضفة اليمنى للنيل، وعلى بعد نحو مائتي ميل من أسيوط- وتتلمذ على يد الأنبا مقاريوس الكثير من الرهبان من داخل مصر وخارجها.
ومن الرهبان المصريين الأوائل (الرهبان السواح) أيضًا كان الأنبا بولا، ولد حوالى 150م، ورحل من الوادي إلى الصعيد الأوسط وتوغل في الصحراء الشرقية حيث اهتدى للعيش في أحد كهوف جبال البحر الأحمر معتمدًا في غذائه على ثمار بعض النخيل، وصنع لنفسه رداء من ليف هذا النخيل، ومكث هناك عابدًا ناسكًا طيلة حياته وقيل إنه مات في العام الثاني عشر بعد المائة، ولولا مقابلة القديس أنطونيوس له لما عرفنا عنه شيء.
وقد أخذت الرهبنة وضعها الثابت المعروف وشهرتها العالمية على يد القديس أنطونيوس (251-356م) الذي أُطلق عليه (أبوالرهبان) فهو المنشيء الحقيقى للنظام الرهباني في مصر والعالم، نظرًا لما وضعه واستحدثه من القواعد والنظم والترتيبات لراغبي الدخول في حياة الرهبنة، كذلك تتلمذ على يديه الكثير من أعلام الرهبنة في مصر، الذين أصبحوا أقطاب في هذا المجال وقصدهم الكثير من داخل مصر و خارجها للتعلم على أيديهم.
وعُرفت مصر الحياة الرهبانية المشتركة على يد الأنبا باخوميوس (292-385م) الذي عرف بـ (أب الشركة)، وهو أول من أقام ديرًا للرهبان يعيشون فيه حياة مشتركة في المسكن والمأكل والعمل والصلاة داخل مبنى عرف بالدير الذي تولى رئاسته وأحاطه بأسوار.
وبالداخل خضع الرهبان لنظام القديس باخوميوس الذي وضعه بإحكام ويخضع الجميع له ويطيعونه، وقد زاد عدد الأديرة الباخومية حتى بلغ عند وفاته تسع أديرة للرجال واثنان للنساء.
لقد وصلت أخبار رهبنة الرهبان المصريين ونسكهم إلى كل أنحاء العالم المسيحي مما أدى إلى وفود الكثيرين إلى مصر للتتلمذ على أيديهم والتعلم من خبراتهم، والاقتداء بخطاهم، والتعرف على أنماط معيشتهم وقواعد نظامهم، فجاء جماعة يعرفون بالرحالة السبعة من فلسطين إلى وادي النطرون في القرن الرابع الميلادي؛ و ذكروا سبب زيارتهم للرهبان بقولهم: " لقد جئنا إليكم من أورشليم من أجل منفعة نفوسنا، حتى ندرك بعيوننا ما قد سمعناه بآذاننا.
"، وذكر يوحنا كاسيان (360-440م) عالم الدين والراهب الذى جاء من بلاد الغال (فرنسا) إلى مصر حوالي 380م ذلك بقوله: " جئنا إلى مصر رغبة منا في تعلم قواعد الكبار"، وجاء القديس هيلاريون من فلسطين سنة 307م والقديس باسيليوس أسقف قيصرية سنة 358م، وروفينوس(345-410م) من إيطاليا وميلانية الكبيرة سنة 373م أو 385م، والقديس جيروم(342-420م) سنة 385م من إحدى المدن الإيطالية وهو من مشاهير دارسي الكتاب المقدس، وكذلك الأسقف والمؤرخ بلاديوس(363-430م) -صاحب كتاب التاريخ اللوزياكي- الذي جاء إلى مصر سنة 388م، وعاش متنقلًا من نيتريا إلى برية شيهيت لمدة تسع سنوات.
ووفد إلى مصر كثيرون غيرهم تعلموا من الرهبان المصريين، ونقلوا أنظمتهم في حياة النسك إلى بلادهم.
ولم تقتصر رحلة المجيء إلى الصحراوات المصرية لتعلم أصول الرهبنة على الرجال وحدهم بل جاءت الكثيرات من النساء أيضًا؛ فجاءت الراهبة" أبوليناريا" من القسطنيطنية وتوجهت إلى الرهبان في الإسقيط للتعلم على يد القديس مقاريوس، وتسمت باسم ذكوري وهو" دورثيؤس"، وظلت تحيا حياة النسك وتعيش كغيرها من الرهبان، ولم يُكتشف أنها امرأة إلا عند تجهيزها للدفن.
وكذلك هيلاريا (إيلاريا) ابنة الإمبراطور البيزنطي زينون (474-491م) جاءت لـ برية شيهيت، والتقت بالأنبا" باموا"؛ ومارست حياة النسك والتعلم على أيدي الرهبان المصريين في وادى النطرون.
هذا قليل من كثير عن الرهبنة والرهبان المصريين الذين علموا العالم الرهبنة وأصول النسك والعبادة كيف تكون.
وليس غريبًا أن يتم الكشف عن أديرة قديمة من الحين إلى الآخر؛ فلاتزال أرض مصر تكشف كل يوم عن جديد ولم تنضب هذه الأرض الطيبة عن إثارة إعجابنا الدائم بما فيها من كنوز وآثار.
أما الكشف الجديد الذي طالعتنا إياه الأخبار مؤخرًا فهو عبارة عن بقايا مبنى دير أثري بوادي النطرون يؤرخ لبدايات الرهبنة في مصر والعالم، ويرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين الرابع والسادس الميلاديين، وذلك بمنطقة الأديرة المطمورة بوادى النطرون بمحافظة البحيرة، التي تُعد إحدى أهم مراكز نشأة الرهبنة في مصر والعالم.
ويمثل هذا الكشف مرحلة مهمة في تطور الحياة الرهبانية المبكرة، حيث يلقي الضوء على التخطيط المعماري للأديرة الأولى في هذه المنطقة ذات القيمة الدينية والتاريخية الكبيرة.
وتبلغ مساحة المبنى المكتشف نحو 2000 متر مربع، وهو مشيد من الطوب اللبن، حيث يصل سُمك الجدران الخارجية إلى متر كامل، بينما تتراوح سماكة الجدران الداخلية ما بين 60 و70 سم، ويتراوح ارتفاعها بين 1.
80 و2.
20 متر، ويضم المبنى فناءً مركزيًا مكشوفًا يتوسط التخطيط العام، تحيط به مجموعة من الوحدات المعمارية التي تشمل أفنية فرعية تفتح عليها قلالي بأشكال ومساحات متنوعة، ما بين المربع والمستطيل.
كما تم الكشف عن مجموعة من الملحقات الخدمية للرهبان في الجزء الغربي من المبنى، تضم مطابخ متكاملة وأفراناً وأماكن لتخزين المؤن، كما أسفرت أعمال الحفائر عن الكشف عن عدد من أماكن الدفن(الطافوس) داخل المبنى، تحتوي على بقايا عظام بشرية يُرجح أنها تعود لرهبان الدير.
وأظهرت الدراسات المعمارية استخدام أنظمة تسقيف متنوعة، منها الأقبية والقباب المبنية من الطوب اللبن، كما كُسيت الجدران بطبقة من الملاط الأبيض، وزُينت برسومات جدارية تضم صلبانًا وأشجار نخيل وزخارف نباتية وهندسية متنوعة.
كما تم العثور على عدد من النقوش بالخط القبطي، تتضمن أسماء رهبان أقاموا بالدير، إلى جانب كتابات دينية تتضرع بالرحمة والمغفرة، مما يسهم في تأريخ المبنى وتوثيق الحياة اليومية للرهبان.
ومازالت الأراضى المصرية تكشف كل يوم عن جديد يخص العصور القديمة.
أستاذ مساعد الإرشاد السياحي بأكاديمية الفراعنة للسياحة والفنادق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك