غزة – «القدس العربي»: لم يكن فادي الجندي يتخيل أن حقيبته المدرسية ستتحول إلى كيس بلاستيكي، وأن صفه الدراسي سيُستبدل بخيمة مهترئة تقاوم الريح أكثر مما تقاوم الجهل.
في خان يونس، حيث تتقاطع الخيام مع بقايا البيوت المهدمة، يجلس الطفل ذو الأعوام التسعة على بساط إسفنجي رقيق، ممسكًا بدفتر يتيم، يخط عليه حروفًا متعثرة تشبه صوته المرتبك وهو يحاول أن يعرّف بنفسه.
فادي، طالب الصف الثالث الابتدائي، واحد من آلاف الأطفال الذين لم يعرفوا المدرسة إلا ذكرى بعيدة، أو صورة معلقة في ذاكرة سبقتها الحرب.
يقول فادي متلعثمًا، كأن الكلمات أثقل من عمره: «أنا فادي الجندي.
كنا في غزة، هدموا دارنا وسكنا في الخيام، ونحن جالسون هنا في المدرسة داخل الخيمة نتعلم، وإن شاء الله نرجع إلى بيوتنا ونبنيها».
يرفع رأسه قليلًا، وتلمع عيناه وهو يتحدث إلينا: «أتمنى أن يبنوا لنا مدرسة، نتعلم فيها ونركب المراجيح… أتمنى أن أسافر وأعيش حياتي».
في هذه الجملة القصيرة تختصر أمنيات طفل حرم من أبسط حقوقه: التعليم، واللعب، والأمان.
تجلس والدة فادي على مقربة من الخيمة، تراقبه وهو يكرر الحروف خلف معلمه.
تقول بحسرة لا تحاول إخفاءها: «ابني تأخر كثيرًا دراسيًا.
قبل الحرب كان متفوقًا، يقرأ ويكتب جيدًا.
الآن مر عليه عامان تقريبًا وهو بعيد عن المدرسة، وكل ما تعلمه كان يتبخر مع كل نزوح جديد».
وتشير إلى أن العملية التعليمية لم تعد إلى طبيعتها، وأن ما يتلقاه الأطفال داخل الخيام «محاولة إنقاذ، لا أكثر».
وتضيف لـ»القدس العربي»: «نخاف أن يكبروا وهم غير متمكنين من القراءة والكتابة، ونخاف أن نخسرهم إلى الأبد».
وتتحدث الأم عن صعوبة إقناع فادي أحيانًا بالذهاب إلى الخيمة التعليمية، لا لأن الطفل لا يحب التعلم، بل لأن الخيمة لا تشبه المدرسة التي عرفها.
وتقول: «لا توجد مقاعد، ولا توجد سبورة حقيقية، وأحيانًا يدخل المطر إلينا.
لكننا نقول الحمد لله… على الأقل يوجد تعليم».
وتنتهي كلماتها عند هذه العبارة، وكأنها اعتراف صامت بأن هذا «الحمد» لم يعد كافيًا أمام سنوات تتراكم من الحرمان.
منذ تشرين الأول / أكتوبر 2023، لم تعد المدارس في قطاع غزة مجرد مبان تعليمية، بل تحولت إلى أهداف عسكرية، أو إلى ملاجئ للنازحين، أو إلى أطلال.
ومع اتساع رقعة الدمار، انهارت المنظومة التعليمية بشكل شبه كامل، ووجد أكثر من 650 ألف طالب أنفسهم خارج الصفوف الدراسية، في مشهد غير مسبوق في تاريخ القطاع.
وبحلول كانون الثاني / يناير 2026، دخل الحرمان من التعليم عامه الثالث على التوالي، ليصبح الانقطاع لا استثناء طارئًا، بل واقعًا يوميًا يعيشه الأطفال.
وتشير تقديرات المنظمات الأممية إلى أن ما يقارب 95 في المئة من المرافق التعليمية في غزة دمر بالكامل أو تضرر بشدة، وهو ما جعل العودة إلى التعليم النظامي شبه مستحيلة.
ووفقًا لـ»منظمة الأمم المتحدة للطفولة» «اليونيسيف»، فإن ما لا يقل عن 87 في المئة من المدارس تحتاج إلى جهود إعادة إعمار كبيرة قبل أن تتمكن من العمل مجددًا، في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من أن عملية إعادة البناء قد تمتد «ما بين 16 إلى أكثر من 80 عامًا، وفقًا لوتيرة الإعمار».
هذا الانهيار لا ينعكس فقط في الأرقام، بل في مصير جيل كامل.
فقد حذر «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» «أوتشا» من أن الأزمة المستمرة ستؤدي إلى إرجاع تعليم الأطفال إلى الوراء بما يصل إلى خمسة أعوام، وتهدد بخلق «جيل ضائع» يعاني حرمانًا دائمًا من فرص التعلم والعمل والاستقرار.
أمام هذا الواقع القاتم، لم يكن أمام الأهالي والمؤسسات التعليمية سوى البحث عن حلول بديلة، مهما بدت هشة.
هكذا ولدت «الخيام التعليمية» بوصفها شريان الحياة الوحيد المتبقي للمسيرة التربوية في غزة.
في خان يونس، برزت مبادرات مثل «خيام الأمل» ومساحات «اليونيسيف» التعليمية، التي أقيمت فوق الأنقاض لخدمة الأطفال النازحين وسكان المدينة، محاولة الحفاظ على الحد الأدنى من الاستمرارية التعليمية.
وفي المنطقة الوسطى، وتحديدًا في دير البلح، استقر الثقل التعليمي داخل مخيمات الإيواء عبر مبادرة «خيمة اقرأ» برعاية «رواد الأمل»، إلى جانب النقاط التعليمية التابعة لـ»الأونروا».
أما في شمال القطاع ومدينة غزة، فقد اعتمدت مديريات التربية والتعليم قائمة محدثة للنقاط التعليمية الميدانية، شملت «مدرسة الشمال التعليمية» في بيت لاهيا، و»فصول الإصرار» في مخيم جباليا، إضافة إلى نقاط تعليمية في أحياء مثل تل الهوا.
وتعمل هذه الشبكة ضمن نظام إدارة رقمي موحد، يربط مراكز التعلم من خان يونس حتى أقصى الشمال، في محاولة لخلق بيئة تعليمية آمنة نسبيًا، وتعويض الطلبة عما فاتهم في ظل المتغيرات الميدانية القاسية.
داخل إحدى خيام دير البلح، تجلس الطفلة أميرة أيمن رمضان بلبل، طالبة الصف الخامس الابتدائي، وهي ترتب دفاترها بعناية، كأنها تحاول أن تفرض نظامًا على فوضى المكان.
تقول بثبات يفوق عمرها: «أنا أدرس في خيمة ودارنا مقصوفة، وأتمنى أن ترجع دارنا ونصير ندرس في مدارس ويوفروا لنا مراجيح وألعابًا».
وتتوقف قليلًا، ثم تضيف لـ»القدس العربي»: «أتمنى أن يكون عندنا ملابس جديدة، ودفاتر وأقلام».
وأميرة لا تطلب أكثر من حياة عادية.
تقول: «أنا كطفلة من حقي أن ألعب وأسافر وأتعلم وأذهب إلى المراجيح وأذهب إلى السينما وأرى حياتي»، وكأنها تذكير للعالم بما نسيه.
وفي كلماتها، يتداخل التعليم مع اللعب، والدفتر مع الأرجوحة، في صورة واحدة لحقوق طفولية أرجئت قسرًا.
وتحكي أميرة عن شعورها داخل الخيمة، وعن البرد في الشتاء، والحر في الصيف، وعن الضجيج الذي يرافق الدروس.
لكنها، رغم ذلك، تتمسك بالتعلم كخيط نجاة.
وتقول: «إذا لم ندرس، نضيع»، ببساطة موجعة تختصر بها مستقبل جيل كامل.
لم تكتف الخيام التعليمية بدور إغاثي رمزي، بل تبنت نظام «التعليم المسرع والمدمج»، الذي يركز على المهارات الجوهرية في اللغة العربية والرياضيات والعلوم، ضمن «رزم تعليمية» معتمدة من وزارة التربية والتعليم.
ويهدف هذا النظام إلى سد الفجوة المعرفية المتراكمة، وتمكين الطلبة من اجتياز المتطلبات الأكاديمية للسنة الدراسية الحالية، مع دمج حصص الدعم النفسي بوصفها جزءًا أساسيًا من الجدول اليومي.
أما توثيق العملية التعليمية، فيتم عبر «نظام إدارة النقاط التعليمية» الرقمي، حيث يسجل كل طالب برقم هويته، وتوثق علاماته وتقييماته دوريًا من قبل المشرفين الميدانيين.
وفي نهاية كل دورة تعليمية، تصدر الوزارة شهادات رسمية، ورقية أو إلكترونية، تعترف بالترفيع الدراسي، في محاولة للحفاظ على المسار الأكاديمي للأطفال رغم الظروف الاستثنائية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك