في أعقاب الغزو البابلي لأرض كنعان، دمر نبوخذ نصر ملك بابل مملكة يهوذا، وأحرق هيكل سليمان وخرب بيت المقدس، وساق 70 ألف أسير من بني إسرائيل إلى قاعدة مُلكه في بابل عام 587 ق.
م.
وقد بدأت عودة اليهود من السبي البابلي في عام 538 ق.
م، وذلك بعد أن أصدر الملك الفارسي كورش الكبير مرسوماً سمح فيه لليهود بالعودة إلى أورشليم وإعادة بناء هيكلهم، بعد أن قضوا نحو 70 عاماً في المنفى.
كان من جُملة العائدين، أحد العُباد الصالحين، وهو العُزير (عزرا)، كان واحدًا من بين أربعة كانوا يحفظون التوراة عن ظهر قلب، وهم: موسى واليسع وعيسى ـ عليهم السلام ـ وكان العُزير مستجاب الدعوة، لا يرفع يده إلى السماء حتى يستجيب الله له، ولا خلاف بين علماء الإسلام أن العُزير كان من العباد الصالحين لله، ولم يكن من الأنبياء المُرسلين، على عكس التوراة التى تجعله أحد أنبياء بني إسرائيل.
في أحد الأيام، مر العزير راكبًا حمارة على بيت المقدس (أورشليم) كانت خرابا يبابا، خاوية على عروشها، كما وصفها الله في القرآن الكريم، تساءل عزير وتعجب من قدرة الله على بعث هذه القرية بعد دمارها وارتحال أهلها.
لم يكن تعجب العزير تعجب كفر بقدرة الله بل تعجب يملؤه الاستشعار بالعظمة، كان سر تعجبه ينطلق من نبوءة أحد أنبياء اليهود، وهو أشعياء، الذي تنبأ بخراب بيت المقدس ودمار الهيكل، ثم عودة الحياة إليها مرة أخرى.
نزل العُزير عن حماره، وآوى إلى أحد الأماكن المهجورة وربطه هناك، وأراد أن يتبلغ ببعض الطعام والحصول على بعض الراحة لمواصلة رحلته، كانت الشمس حينها تتوسط السماء، كان معه سلة من الطعام تحتوى على ثمار التين، وكسرات الخبز اليابس وعصير العنب، وضع العُزير كسرات الخبز في عصير العنب كي يلين قليلا ويأكله، وأطرق قليلا حتى يتم ذلك، ففلت عيناه فنام، فأماته الله مائة عاحينما استفاق العُزير من رقدته الطويلة، وجد أمامه مَلَكا مُنزلا من السماء، سأله الملك عن الوقت الذي قضاه نائما، قال: " كم لبثت؟ "، رد عزير على المَلَك، وقال له: " لبثتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ"، كانت إجابة العُزير كإجابة جميع الناس حين يبعثهم الله يوم القيامة، ربما ماتوا قبل ملايين السنين، لكن لا حساب للزمن في حياة البرزخ التي يقطعها الإنسان حتى يُبعث ويحاسب بين يدي الله ـ سبحانه وتعالى ـ.
قال له المَلَك: " بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ"، هنا أدرك العزير أنه لم ينم بضع ساعات أو حتى يوما كاملا كما ظن أول الأمر، بل دامت نومته١٠٠سنة! ، ليجعله الله آية لبني إسرائيل ولكل الأمم بقدرته على البعث، والمعجزة إن طعامه وشرابه (التين وكسرات الخبز اليابس وعصير العنب)" لَمْ يَتَسَنَّهْ" أي لا يزال طازجًا دون تغيير، لكن حماره مات وتحلل وأصبح كومة من العظم والتراب بجانبه.
قال العلماء والمفسرون إن السر في بقاء الطعام على حاله وموت الحمار، إنما يكمن في أن الله أراد أن يُحيي الحمار أمام العُزيز كرد على سؤاله الذي سأله في نفسه قبل أن ينام كل تلك المدة، لقد أمر الله العظام أن تجتمع وتكتسى باللحم، ثم رد إليه الروح مرة أخرى، وكل هذا أمام العزير حتى يوقن بمدى قدرة الله على البعث، فمن يبعث ذلك يكن قادرا على إحياء المدن، بل إن العزير نفسه أصبح آية ومعجزة، لأنه لم ينم، بل مات وعاد إلى الحياة من جديد.
لقد أنزل الله في شأن العزير وقصته قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، قال عز من قائل: " أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" ( آية ٢٥٩ من سورة البقرة).
حينما خرج العزير من كهفه المهجور، خرج كما دخله في عمر الأربعين، ووجد أن حال المدينة قد تبدل جذريا، فلم يكن اليوم كالبارحة، لقد أصبحت مدينة كبيرة مزدهرة تنبض بالحياة، وكأنما دبت فيها الروح تماما كما دبت فيه وفي حماره، سأل الناس عن العُزير، تعجب الناس ممن يذكر اسم العُزير، ذلك العابد الصالح من بيت هارون ـ عليه السلام ـ والذي اختفى قبل 100 عام، خرج العزير ليجد أن جيله وربما الجيل الذي يليه قد فنى بالموت، ولا أحد يعرف شكله حتى يؤمن بتحقق معجزة الله فيه، إلا سيدة عجوز، كانت تخدم العُزير قبل غيابه، وقد تركها وهي لا تزال صبية في مقتبل العمر لم تتجاوز الخامسة عشرة، لكنها اليوم قد جاوزت المائة، ولكنها باتت سيدة عمياء لا تقوى على الحركة.
فلما أُذيع بين الناس بعودة العزير، جاؤوا إليها، ولكن كيف تعلم أنه هو بعد أن فقدت بصرها، هنالك قالت السيدة العجوز إن سيدها العُزير كان مستجاب الدعوة، لا يرد الله له طلبا، فإن كان صادقا فليدع الله أن يرد إليها بصرها، فلما عرفته أقبلت عليه وقبلت يديه، وتحقق للناس أنه العُزير، وأن الله جعله آية لبني إسرائيل.
بعد العودة من الموت، كان أمام العُزير مهمة أخرى، تمثلت في إعادة كتابة التوراة، التي أُحرقت في السبي البابلي، وكان العُزير يحفظها كما سبق عن ظهر قلب، فكتبها وأملاها على علماء بني إسرائيل.
وبعد موت العُزير النهائي، جحد بنو إسرائيل تلك الآية والمعجزة، وأعلوا من مصاف العُزير، فجعلوه ابنا لله، وقالوا إنما بعثه الله من الموت لأنه ابنه، وقد ذُكر ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: " وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ" (الآية 30 ـ سورة التوبة).
لقد كان في العُزير وقصة موته ثم بعثه من جديد آية على قدرة الله سبحانه وتعالى على بعث الموتى إيذانًا بالحساب يوم القيامة، وأن الدنيا ليست إلا دار مفر وأنَّ الأخرة هي خير وأبقى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك