في منطقة عسير تتشكل الحكاية من لحم الجماعة وذاكرتها، حيث لا تُروى السرديات بوصفها أحداثا ماضية، إنما بوصفها أفعالا متجددة تعاش وتُمارس.
هذه السرديات، التي يمكن تسميتها بسرديات الإناسة، تنبع من تآزر الناس في مواجهة كوارث الطبيعة، ومن قدرتهم على تحويل الشدائد إلى طقوس جامعة تعيد إنتاج المعنى الاجتماعي؛ فالسرد هنا لا يُكتب فقط، بل يُنجز بالفعل، ويُختزن في الجسد والذاكرة واللغة.
وتبرز “الغُداة” بوصفها نموذجا مكثفا لهذه السرديات.
حين تداهم السيول مزارع أحد أبناء القرية، وتنهار الجدران تحت وطأة الماء، لا يُترك الفرد لمصيره، بل تتحول المصيبة إلى دعوةٍ غير مكتوبة للاجتماع.
ينعقد العزم في صمتٍ مفهوم، ويغدو الرجال مع بزوغ الصباح نحو الأرض المنكوبة، حاملين أدواتهم، وأهم من ذلك، حاملين شعورا مشتركا بالمسؤولية.
هنا يبدأ السرد بالفعل، لا بالكلمات.
في لحظة البناء، يتجلى الإيقاع الجمعي الذي يضبط الحركة ويمنحها معنى، تتعالى الأهازيج، فتتردد عبارات مثل: والنبي ودينه صاحب المدينة، أو يا شيح يا ولبى ع الماء يسقونه، أو سلام يا قومي يا درع جنبية ما يستوي المحزم إلا بجنبية.
هذه الأهازيج ليست ترفا صوتيا، بل هي بنية إيقاعية تُنظم الجهد، وتُخفف وطأة العمل، وتربط الفرد بالجماعة.
إنها خطاب شفهي يختزن القيم، ويعيد بثها في لحظة الفعل.
ومع تقدم النهار، يتحول العمل إلى ما يشبه الطقس، حيث تتداخل الوظيفة العملية بالبُعد الرمزي؛ فإعادة بناء الجدران والثمايل ليست مجرد إصلاحٍ مادي، بل استعادة للتوازن الذي اختل، وإعلان عن قدرة الجماعة على ترميم ذاتها، وحين ينتهي العمل، تأتي لحظة الاحتفال البسيط، حيث يقيم المُعان مأدبة عشاء إكراما وتقديرا، ثم بوصفها اعترافا جماعيا بما تحقق.
في المساء، يستأنف السرد شكلا آخر، إذ يجتمع الرجال للسمر، وتُمارس لعبة الخطوة الجنوبية، فتتحول الأجساد إلى لغة، وتصبح الحركة امتدادا للحكاية.
هنا تكتمل دائرة السرد: من الفعل إلى القول، ومن الجهد إلى الاحتفال، ومن الفرد إلى الجماعة.
تمتاز سرديات الإناسة في عسير بأنها تُنتج المعنى عبر المشاركة، وتُرسخ قيما مثل التكافل والكرامة والوفاء.
إنها لا تُعنى بتخليد الحدث بقدر ما تُعنى بتجديده، ولا تسعى إلى بطلٍ فرد، ولكن تحتفي بالجماعة بطولة وتماسكا.
في “الغُداة” تتجسد هذه الفلسفة بوضوح، حيث يصبح العمل المشترك نصا حيا، تُكتب سطوره بالأيادي، وتُقرأ في وجوه الناس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك