ليست كل الأشياء التي تُحيط بنا جديدة فعلًا، حتى حين تبدو منسجمة تمامًا مع إيقاع الحياة الحديثة.
فكثير من التفاصيل التي نستخدمها اليوم، ونعدّها جزءًا طبيعيًا من يومنا، تعود في الأصل إلى عادات أو أدوات أو أفكار أقدم بكثير مما نظن.
غير أن ما تغيّر ليس وجودها، بل الطريقة التي عادت بها إلى حياتنا.
فبين ما ورثناه من البيت القديم، وما بقي من عادات الأهل، وما نجا من أزمنة مختلفة، تظهر أشياء كثيرة وكأنها لم تختفِ أصلًا، بل بدّلت شكلها فقط.
لا يبدو الماضي شيئًا انتهىوفي الحياة اليومية أمثلة كثيرة على ذلك.
أطعمة كانت مرتبطة ببيت الجدة وعادت اليوم بوصفها وصفات" أصيلة" أو صحية.
قطع أثاث قديمة استعادت حضورها في البيوت الحديثة لكن بلمسة مختلفة.
أوانٍ تقليدية بقيت في المطابخ لأنها أكثر عملية من البدائل الجديدة.
وحتى في اللغة والعادات الاجتماعية، يمكن ملاحظة كيف تستمر بعض الأشياء في البقاء، لا لأنها صمدت وحدها، بل لأنّ الناس وجدوا طريقة جديدة لاستخدامها داخل عالم تغيّر كثيرًا.
وربما هذا ما يفسّر جاذبية أشياء كثيرة من الماضي في الحاضر.
فالناس لا يعودون إليها فقط بدافع الحنين، بل لأنّ بعض ما ورثوه ما زال يحتفظ بقيمة عملية أو جمالية أو عاطفية تجعل الاستغناء عنه صعبًا.
وهكذا، لا يبدو الماضي دائمًا شيئًا انتهى، بل شيئًا يعاد ترتيبه وتوظيفه داخل حياة جديدة.
ومن هنا، نكتشف كيف عادت أدوات الأجداد لتقود مشهد الحداثة اليوم.
" المشربية" و" البادجير": من حارات بغداد إلى ناطحات السحاب الذكيةقديمًا، كان المعماري العربي يعالج قسوة المناخ بـ" المشربية" الخشبية و" البادجير"، (ملاقف الهواء).
لم تكن هذه العناصر مجرد زينة جمالية، بل كانت" تكنولوجيا" تبريد طبيعية تضبط الضوء والخصوصية وتدفق الهواء.
اليوم، وفي ظل أزمة المناخ العالمية، عاد كبار المهندسين في العالم لاستنساخ هذا المفهوم تحت مسمى" العمارة المستدامة".
نرى الآن أبراجًا في باريس ودبي تغطى بـ" واجهات حركية" (Kinetic Facades) تفتح وتُغلق آليًا بناء على حركة الشمس، وهي في جوهرها ليست سوى" مشربية رقمية" متطورة توفر الطاقة وتمنح المبنى طابعًا بصريًا فريدًا.
" الحكواتي" الرقمي: لماذا نعشق" البودكاست"؟في القرن الماضي، كان" الحكواتي" هو الشخص الأكثر تأثيرًا في المقهى الشعبي؛ بصوته وتلويناته الدرامية كان ينقل الناس إلى عوالم عنترة والزير سالم.
ومع ظهور التلفاز، ظن البعض أن زمن" القصة المسموعة" قد انتهى.
لكن المفاجأة كانت في الانفجار العالمي لـ" البودكاست".
إن سر نجاح هذه المنصات يكمن في إحيائها لطقس قديم جدًا: الإنصات.
فنحن نستخدم اليوم أرقى التقنيات الرقمية وسماعات إلغاء الضوضاء لنعود إلى المربع الأول؛ وهو الاستماع إلى" حكواتي" مُعاصر يروي لنا قصصًا في السياسة أو الفن أو التاريخ، تمامًا كما كان يفعل أجدادنا حول النار أو في أزقة المدن القديمة.
الفخار: العودة إلى" أصل الطين" في زمن البلاستيكبعد عقود من هيمنة الأواني المعدنية والبلاستيكية، يشهد العالم عودة كبرى ل الفخار.
لم يعد" الإبريق" أو" الجرة" مجرد ذكرى ريفية، بل أصبح" ترند" صحيًا عالميًا.
الأبحاث الحديثة التي تتحدث عن" إعادة حيوية الماء" في الأواني الفخارية، جعلت جيل" الزد" (Gen Z) وجيل الألفية يقبلون على اقتناء الفخار المصمم يدويًا بلمسات فنية" مينيمالية" (Minimalist).
وهذه العودة ليست مجرد حنين، بل هي قرار واع بالبحث عن الأمان الصحي والجمال الطبيعي بعيدًا عن المواد المصنعة كيميائيًا.
" السدو" والتطريز: الهوية التي سكنت" البراندات" العالميةالنقوش التي كانت تحيكها البدويات على" بيت الشعر" (السدو)، أو الغرز التي كانت تزين أثواب الفلاحات، انتقلت من الفضاء المحلي لتصبح لغة بصرية عالمية.
وأصبحت كبرى دور الأزياء العالمية وشركات التكنولوجيا تستخدم هذه الأنماط الهندسية في تصميم مجموعاتها الموسمية، أو في واجهات الهواتف الذكية وتطبيقاتها.
إننا نستخدم هذه النقوش القديمة اليوم ل" تعريف هويتنا" وسط عالم متشابه؛ ف" الستيكر" الذي يزين حاسوبك المحمول بنقشة كوفية أو تطريز فلسطيني، هو في الحقيقة رسالة انتماء عابرة للقارات واللغات.
" صيدلية الجدة": الطب البديل في ثوب علميما كان يُسمّى بـ" العطارة" أو" وصفات العجائز"، أعيد تصديره لنا اليوم تحت مسميات براقة مثل" الطب العضوي" (Organic) أو" المكملات العشبية".
الكركم، الزنجبيل، واللبان المر، خرجوا من الخزائن الخشبية القديمة ليدخلوا في تركيبات أغلى مستحضرات العناية بالبشرة والأدوية الحديثة.
ويقر العالم اليوم بأن الأجداد كانوا يمتلكون" مختبرًا فطريًا"؛ لذا نجد أنفسنا نستخدم تلك المواد القديمة، ولكن بجرعات محسوبة علميًا وتغليف أنيق يليق برفوف الصيدليات الكبرى.
نحن لا نستخدم هذه الأشياء القديمة لأننا" عالقون في الماضي"، بل لأننا اكتشفنا أن" الحداثة الحقيقية" هي تلك التي تمتلك جذورًا ضاربة في الأرض.
فإيقاع الحياة ليس خطًا مستقيمًا يبتعد عن الماضي، بل هو دائرة تعيدنا دائما إلى" الأصيل" لنقدمه للعالم بشكل جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك