خلف البحار، وفي غرف الغربة الباردة، لا يتوقف أنين الآباء الذين حالت بينهم وبين رؤية صغارهم آلاف الأميال، وما زاد الطين بلة هي النزاعات القضائية التي قد تجعل" المسافة" سلاحاً يُستخدم لمنع الأب من ممارسة حقه الإنساني في رؤية فلذة كبده.
ومع التحول الرقمي الذي يشهده العالم، برز سؤال ملحّ: هل يسمح القانون للأب المغترب برؤية أطفاله" أونلاين" عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي؟ وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تداوي جراح الفراق التي لم تندمل؟بين شاشة الهاتف ونبض القلب.
قصص من الواقعيقول" أحمد.
م"، مهندس مصري يعمل في إحدى دول الخليج: " منذ طلاقي قبل ثلاث سنوات، لم أرَ ابني الذي يبلغ من العمر ست سنوات إلا مرتين في الإجازات السنوية، وعندما أطلب التحدث معه عبر الفيديو، أواجه بالرفض أو يتم تجاهل اتصالاتي.
ويضيف: " أشعر أنني غريب عنه، فهل يُعقل أن تقتصر علاقتي بطفلي على تحويلات بنكية كل شهر دون أن أرى ملامحه وهي تتغير؟ ".
قصة أحمد ليست الوحيدة، فخالد، محاسب مغترب، يروي لنا بمرارة كيف يضطر لانتظار" منحة" من طليقته ليفتحوا له الكاميرا لدقائق معدودة.
يقول خالد: " الرؤية في مراكز الشباب التي يقررها القانون مستحيلة بالنسبة لي كمغترب، أحتاج حكماً يلزم الأم بفتح وسيلة اتصال مرئية في مواعيد محددة، فالحرمان من الصوت والصورة هو نوع من الموت البطيء للآباء".
الرؤية الإلكترونية.
ماذا يقول القانون؟في محاولة للإجابة على التساؤلات القانونية، يوضح الخبير القانوني علي الطباخ أن قانون الأحوال الشخصية الحالي وضع في الأساس لتنظيم الرؤية المباشرة، إلا أن التطورات الأخيرة بدأت تشهد مرونة.
ويشير إلى أن" الرؤية الإلكترونية" باتت مطلباً شرعياً وقانونياً ملحاً، خاصة مع تعذر حضور الأب بسبب ظروف العمل بالخارج.
ورغم أن القانون لا يتضمن نصاً صريحاً مباشراً تحت مسمى" الرؤية الإلكترونية" حتى الآن بشكل تشريعي متكامل، إلا أن الآمال معقودة على يؤخذ في الاعتبار" مصلحة الصغير الفضلى"، ويسمح للأب المغترب في التواصل مع أطفاله عبر" سكايب" أو" واتساب" أو" زووم"، حيث أن هذا التواصل يوطد العلاقة الأسرية ويمنع انقطاع الصلة بين الصغير ووالده، وهو ما تهدف إليه روح القانون.
التحديات والضمانات القانونيةويرى قانونيون أن تطبيق الرؤية عبر الإنترنت يتطلب ضوابط صارمة لضمان عدم استغلالها أو تحولها إلى وسيلة للمضايقة، فالمطالبة بالرؤية الإلكترونية تأتي كبديل أو مكمل للرؤية الواقعية، وتتطلب توفر وسيلة اتصال حديثة لدى الطرف الحاضن، مع تحديد مواعيد دورية تتناسب مع توقيت البلدين، تماماً كما يتم تحديد ساعات الرؤية في مراكز الشباب.
ويؤكد الخبراء أن إثبات الامتناع عن تمكين الأب من الرؤية الإلكترونية يمكن أن يتم عبر الوسائل التقنية الحديثة، مما قد يعرض الطرف الحاضن للمساءلة القانونية أو حتى نقل الحضانة في حالات التعنت الشديد التي تضر بنفسية الطفل.
رؤية نفسية.
الطفل هو الضحية الأكبرمن جانبه، يرى المتخصصون في الطب النفسي للأطفال أن انقطاع صورة الأب عن ذهن الطفل المغترب يخلق فجوة وجدانية يصعب ردمها لاحقاً.
ويقول الدكتور محمد عادل الحديدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة المنصورة إن الطفل يحتاج إلى رؤية تعابير وجه والده وسماع نبرة صوته بانتظام ليشعر بالأمان والانتماء.
يضيف: " الرؤية الإلكترونية" ليست مجرد ترف تكنولوجي، بل هي حاجة نفسية ملحة تحمي الطفل من الشعور باليتم رغم وجود الأب على قيد الحياة.
وتشير دراسات نفسية إلى أن الأطفال الذين يتواصلون بانتظام مع آبائهم المغتربين عبر الفيديو يظهرون استقراراً نفسياً وتفوقاً دراسياً أكبر من أقرانهم الذين ينقطع عنهم التواصل، حيث يقلل ذلك من مشاعر القلق والاضطراب التي تلي حالات الانفصال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك