فى ظل التحديات الاقتصادية العالمية الراهنة، تتزايد التساؤلات حول تكلفة خدمات الطاقة وانعكاساتها على الحياة اليومية، وهى تساؤلات مشروعة تنبع من اهتمام حقيقى بتفاصيل المعيشة وتعقيداتها.
وبوصفى متخصصاً فى هذا المجال، أرى أن واجب المصارحة يقتضى وضع هذه التساؤلات فى إطارها الفنى والزمنى الأشمل؛ بعيداً عن التبسيط، وبحيث يكون قريباً من فهم التحولات التى يفرضها واقع الطاقة العالمى.
1- مزيج الطاقة.
فلسفة الخروج من الاعتماد على مصدر واحدمن المهم إدراك أنه لا يمكن لدولة بحجم مصر أن ترهن مستقبلها بمصدر طاقة وحيد؛ لذا، اعتمدت الرؤية الفنية على «مزيج طاقة» يتسم بالمرونة، من خلال مشروعات تكاملية أصبحت واقعاً ملموساً.
الضبعة وبنبان وجبل الزيت.
ثلاثية الاستقرار الكهربائىتجسد هذه المشروعات الثلاثة أعمدة الاستقرار فى الشبكة القومية:الطاقة النووية (مشروع الضبعة): وهو مشروع قومى عملاق يهدف إلى ضمان «حمل أساسى» مستقر ومستمر، لا يتأثر بتقلبات المناخ والموردين أو تذبذب أسعار الوقود الأحفورى العالمية.
الطاقة الشمسية (مجمع بنبان بأسوان): وهو نموذج رائد لاستغلال مواردنا الطبيعية من سطوع الشمس، لتقليل الضغط على العملة الصعبة الموجَّهة لاستيراد الوقود.
طاقة الرياح (جبل الزيت وخليج السويس): وهى مشاريع تمثل استثماراً فى المناطق ذات السرعات العالية لتوليد طاقة نظيفة تدعم التنوع فى منظومة الإنتاج.
2- رؤية 2040.
الحاجة إلى مراجعة فى ضوء المتغيرات العالميةإن التطورات المتسارعة تفرض علينا، من وجهة نظرى، المراجعة الدورية لاستراتيجية مصر للطاقة 2040.
طموحنا للوصول إلى 42% من الطاقة المتجددة بحلول 2030 هو خطوة طموحة، ولكن الاكتفاء بمحطة الضبعة النووية كأربع وحدات فقط يحتاج إلى مراجعة؛ خاصة مع التوجه العالمى الذى تبلور فى مؤتمرات المناخ لمضاعفة القدرة النووية ثلاث مرات بحلول 2050 مقارنة بمستويات 2020.
المفاعلات النووية الصغيرة.
مرونة لمستقبل الشبكاتهذا التوجه العالمى يعزز قناعتنا بضرورة توسيع المكون النووى، بما فى ذلك استشراف تقنيات المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (SMRs).
هذه المفاعلات توفر مرونة تشغيلية واستجابة ديناميكية لتغيرات الأحمال، مما يجعل منظومتنا الكهربائية أكثر قدرة على الصمود أمام الهزات الخارجية.
3- الحوكمة وتحرير السوق.
نحو منظومة أكثر توازناًإن كفاءة هذه المشروعات تتوقف على جودة الإدارة والتنظيم.
ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز استقلالية جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك.
إن وجود مُنظم مستقل وقوى هو الضمانة لتحقيق توازن حقيقى بين أطراف المنظومة، وهو المسار الطبيعى نحو تحرير سوق الكهرباء وخلق منافسة عادلة تجذب الاستثمار الخاص وتطور جودة الخدمة.
4- تكلفة الاستثمار مقابل تكلفة البديلقد تبدو أرقام الاستثمار فى الطاقة ثقيلة عند النظر إليها فى إطار مالى مجرد، ولكن التقييم المنصف يكمن فى «تكلفة البديل».
فالبديل كان سيعنى نقصاً فى الإمدادات يؤثر على كل بيت ومصنع، وهو ثمن يفوق بكثير تكلفة البناء والتطوير.
إن مشروعاتنا الحالية هى أجزاء من منظومة واحدة تستهدف تقليل الاعتماد على العوامل الخارجية غير المضمونة وتأمين السيادة الطاقية لمصر.
يبقى ملف الطاقة من أكثر الملفات تعقيداً وتشابكاً، حيث تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والفنية والاجتماعية.
ومن ثم، فإن تقييم مساراته يتطلب نظرة متوازنة تأخذ فى الاعتبار التحديات القائمة، والبدائل المتاحة، والاعتبارات طويلة المدى.
وفى هذا الإطار، يظل الهدف المشترك هو الوصول إلى منظومة طاقة أكثر كفاءة واستقراراً، تدعم مسار التنمية وتحقق سعراً عادلاً منافساً يستجيب لتطلعات المجتمع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك