تغيّر المشهد في إسبانيا.
لم تعد الأندلس، بجامعها القرطبي وحمرائها الغرناطية، تتصدر قائمة المعالم الأكثر زيارة.
الوجهة الأولى باتت اليوم في الشمال، تحديداً في مدينة برشلونة.
إنها كنيسة ساغرادا فاميليا التي تستقطب قرابة خمسة ملايين زائر سنوياً، في تحوّل لم تصنعه الصدفة بقدر ما صنعته أشهر قليلة من العمل المكثف فوق أبراجها تحضيراً لعام 2026.
في الأعلى، كان كل شيء يتحرك بسرعة.
في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تجاوز البناء 167 متراً.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني، ارتفعت أولى أذرع الصليب.
ومع نهاية عام 2025، وصلت القطع الأخرى إلى برشلونة بعد تصنيعها في ألمانيا، ثم جاء الدور على الذراع العلوية، بطول 17 متراً، ليكتمل المشهد: صليب يصل إلى 29 متراً، كل قطعة فيه تزن نحو 13 طناً، رُفعت ببطء في الأشهر الأولى من هذا العام، على ارتفاع شاهق، وسط عمل دقيق فرضت فيه الرياح إيقاعها.
ليست التفاصيل مجرد أرقام، بل هي جزء من الرؤية والمشروع: الصليب مكسوّ بالسيراميك الأبيض والزجاج، مؤلف من نحو 15 ألف قطعة تعكس الضوء.
إنها رؤية أنطوني غاودي: عمارة تمضغ الضوء وتعيد تشكيله، من دون أن تتجاوز جبل مونتجويك القريب.
هكذا اكتملت الأعمال في كنيسة ساغرادا فاميليا بعد أكثر من 140 عاماً من البناء، مع تثبيت الذراع العلوية للصليب الذي يتوّج برج السيد المسيح.
وبلغ الارتفاع النهائي 172.
5 متراً، لتصبح بذلك أعلى كنيسة في العالم، متجاوزة كاتدرائية أولم الألمانية، وراسمة أفقاً جديداً للمدينة الساحلية.
هي لحظة تأتي متزامنة مع الذكرى المئوية لرحيل المعماري ضمن" عام غاودي 2026"، وتفتح الباب على مرحلة جديدة من هذا المشروع الطويل.
يتوّج هذا كله سلسلة تحضيرات تنطلق في العاشر من يونيو/حزيران المقبل، وهو الموعد الذي يُفترض أن يشهد التدشين الرسمي لبرج المسيح ومباركته، تحديداً في الذكرى المئوية لرحيل أنطوني غاودي (1852-1926).
وفي هذا السياق، أعلنت إدارة كنيسة ساغرادا فاميليا أن البابا لاوون الرابع عشر سيشارك في تدشين برج المسيح في التاريخ المذكور، وعبّر الكاردينال خوان خوسيه أوميلا عن سعادته بهذه الخطوة، مؤكداً أن مشاركة البابا تأتي في إطار رؤية للكنيسة" حاضرة في العالم، وحاملة رسالة سلام ووئام"، وحرصت إدارة الكنيسة على عدم الكشف عن تفاصيل القداس، مع الإعلان عن مؤتمر صحافي في مايو/أيار المقبل.
في برشلونة، لا يُنظر إلى هذا الموعد بوصفه احتفالاً دينياً.
على العكس، يبدو الأمر أقرب إلى مناسبة ثقافية شاملة أطلقتها كتالونيا في إطار إعادة قراءة إرث المهندس خارج إطار الاحتفاء التقليدي، خصوصاً بعد أن كرّس حياته لمشروع لم يرَ منه سوى جزء محدود قبل وفاته عام 1926.
هكذا، تقوم فكرة" عام غاودي 2026" على إعادة قراءة أعماله من جديد، بدءاً بساغرادا فاميليا، كفكرة ما زالت قابلة للتأويل: معارض، ومؤتمرات، وبرامج ثقافية تُحضَّر على امتداد المدينة، تتقاطع فيها العمارة مع الفلسفة والعلوم والروحانية.
يتعزز هذا الحضور مع اختيار برشلونة عاصمة عالمية للعمارة عام 2026، وتنفتح المدينة على معارض بحثية ومؤتمرات دولية وفعاليات ثقافية، يتقدمها معرض رئيسي في متحف التاريخ في كتالونيا، إلى جانب مؤتمر دولي يجمع معماريين وباحثين من مختلف أنحاء العالم.
في هذا السياق، يتحول غاودي إلى نقطة ارتكاز لحوار أوسع حول المدينة، والهوية، ومستقبل البناء.
وبعد مئة عام على رحيله، يظل اسمه مرتبطاً بعمارة تفتح الأسئلة، وتترك مساحة للتأمل، وتعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان.
كجزء من فعاليات" عام غاودي 2026" في برشلونة، أُطلقت تجربة افتراضية مميزة داخل كاتدرائية برشلونة، بالقرب من كنيسة ساغرادا فاميليا، تحت عنوان" غاودي، ورشة الإلهي" في قاعة" لا ميرسي"، يرتدي فيها الزوار نظارات الواقع الافتراضي وسماعات صوتية ليعيشوا رحلة مكثفة داخل ورشة غاودي، وأفكاره، وحتى داخل البازيليك نفسه، خلال 20 دقيقة فقط.
تمنح التجربة، التي أنجزتها شركة غيديون إكسبيرينسز الفرنسية، إحساساً ثلاثي الأبعاد بالفضاء، وتمزج بين الدقة التاريخية والتقنيات الحديثة، لتوضح فلسفة غاودي المعمارية التي لا تقلّد الطبيعة بل تتبع قوانينها الداخلية.
ورغم كونها افتراضية، يشعر الزائر بلمسة حرفية صانعة، ويكتشف غاودي بسرعة وعمق، لتكون مقدمة مصاحبة قبل زيارة الأعمال الحقيقية على أرض الواقع.
الأعمال المتبقية وواجهة المجد في ساغرادا فاميلياتبقى كنيسة ساغرادا فاميليا مركز مشروع غاودي وعالمه: مشروع يتقدّم ببطء، ويحتضن الزمن جزءاً من تكوينه.
كل مرحلة بناء تضيف قراءة جديدة، وتؤكد فكرة العمارة التي تنمو مع الأجيال.
ربما لهذا السبب تحديداً، ورغم اكتمال الارتفاع النهائي لبرج المسيح، لا تزال ساغرادا فاميليا ورشة مفتوحة لا تكتمل.
خلال الأشهر المقبلة، يُنتظر إزالة السقالات التي تحيط بالبرج، بينما سيظل الدخول إلى داخلها مؤجلاً حتى عام 2028.
أما أبرز المشاريع المتبقية فهو واجهة المجد، المدخل الرئيسي المستقبلي للكنيسة، الذي يتطلب إقامة درج واسع ومسار للزوار.
حالياً يمر هذا المشروع بمفاوضات دقيقة مع بلدية برشلونة، إذ تقع بعض المباني السكنية في موقع المخطط، ما يثير تساؤلات حول عدد الشقق التي قد يُزال بعضها (تتراوح التقديرات بين 200 وألف شقة) وكيفية إعادة إسكان السكان المتضررين.
اشترت الكنيسة أرضاً مجاورة لإعادة إسكان المتأثرين، وتؤكد السلطات أن أي حلول لإعادة التوطين وتعويض السكان ستكون على عاتق الكنيسة، مع ضمان عدم خروج أي شخص من المنطقة.
وصف الرئيس التنفيذي للجنة البناء، إستيف كامبس، المفاوضات مع البلدية بأنها" ودية ومتقدمة"، بينما حرصت البلدية على التوضيح أن أي اتفاق يجب أن يضع حقوق السكان أولاً، مع الالتزام بضمان سكن مناسب للجميع.
إلى جانب ذلك، أطلقت الكنيسة مسابقة فنية لتصميم واجهة المجد، ووقع الاختيار على ثلاثة فنانين لتقديم تصاميم أولية: ميغيل بارسيلو من مايوركا، وكريستينا إيغليسياس من الباسك، وخافيير مارين من المكسيك.
لا يزال القرار النهائي بشأن اختيار التصميم أو الفنان مفتوحاً، مما يجعل الواجهة مشروعاً حياً يجمع بين الإبداع الفني والتحديات الحضرية.
وفي موازاة ذلك، تعمل بلدية برشلونة على إعادة تهيئة المساحات المحيطة بالبازيليك، ضمن خطة لتحسين تجربة الزوار.
أكثر من كونه مجرد حدث معماري، يضع اكتمال برج المسيح في ساغرادا فاميليا وتحوّلها إلى أعلى كنيسة في العالم برشلونة، والمدينة عامة، في قلب حوارٍ حول التراث والتجديد الحضري، كما أنه فرصة لإعادة النظر في الرمزية الثقافية للأماكن بعد قرون من التاريخ، وعلامة على قدرة المدن على الجمع بين الماضي والحاضر، إضافة إلى كونه مناسبة لتسليط الضوء على قضايا أوسع، متعلقة بالمدينة، مثل استدامة العمارة، السياحة المزدحمة، والتفاعل بين المجتمع المدني والمؤسسات الثقافية، والتساؤل عن معنى الاكتمال نفسه في مشروع تغيّر عبر الزمن، وعن حدود الوفاء لفكرة غاودي الأصلية بعد كل هذه التحولات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك