قناة الغد - تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين مصر واليابان وكالة شينخوا الصينية - مؤتمر علماء الصينيات ينطلق في دونهوانغ بالصين وكالة شينخوا الصينية - رئيس لاوس يزور مقاطعة تشجيانغ للاطلاع على ممارسات الصين في التنمية الخضراء روسيا اليوم - روسيا.. استئناف عمليات البحث المكثفة عن عائلة مفقودة في غابة سيبيرية وكالة سبوتنيك - العثور على معلومات قيمة لشن ضربات على قواعد القوات الأوكرانية في هاتف مرتزق إسباني قناه الحدث - 4" اختفوا".. هروب تلاميذ بسبب الامتحانات يهز الجزائر رويترز العربية - وزير الدفاع الإسرائيلي: سنواصل العمليات في لبنان في الوقت الراهن العربية نت - لغز 4 أطفال اختفوا يحير الجزائريين.. وآباء يروون مأساة انتظارهم قناة القاهرة الإخبارية - محمود عبد العزيز.. نجم استثنائي لا يغيب عن ذاكرة الجمهور وكالة الأناضول - ترامب يعلن التحدث لأول مرة مع "حزب الله" والتوصل لتهدئة مع إسرائيل
عامة

المسرح المعاصر والذائقة المتمردة على شروطه

القدس العربي
القدس العربي منذ شهرين
1

في زمنٍ يبدو فيه مثل هذا السؤال «من يذهب إلى المسرح؟ » أبسط مما يحتمل، نعتقد أنه يفرض نفسه بإلحاحٍ يكاد يكون وجوديا، لا لأنه جديد، بل لأنه يعود محملا بكل ما تغيّر من حوله. سؤال لا يُطرح بوصفه استفسارا...

ملخص مرصد
يتساءل الخبر عن مستقبل المسرح في زمن الوسائط الرقمية، حيث تحولت الذائقة إلى سرعة الاستهلاك والتجارب المبتورة. المسرح، بوصفه فضاء اختبار للانتباه والوقت، يواجه أزمة وجودية في مخاطبة كائن اعتاد على الراحة الرقمية. السؤال لا يتعلق بعدد الجمهور، بل بقدرة المسرح على الحفاظ على ضرورته في مواجهة ثقافة الاستهلاك السريع.
  • المسرح فضاء اختبار للانتباه والوقت دون وسائط تخفف من ثقل اللحظة
  • المتلقي تحول إلى منتج للمعنى في فضاء فردي تحكمه الشاشة الصغيرة
  • أزمة المسرح ليست في الجمهور بل في وظيفته وفقدان صرامته الجمالية
من: الإنسان المعاصر والمسرح

في زمنٍ يبدو فيه مثل هذا السؤال «من يذهب إلى المسرح؟ » أبسط مما يحتمل، نعتقد أنه يفرض نفسه بإلحاحٍ يكاد يكون وجوديا، لا لأنه جديد، بل لأنه يعود محملا بكل ما تغيّر من حوله.

سؤال لا يُطرح بوصفه استفسارا إحصائيا، ولا باعتباره حنينا رومانسيا إلى ماضٍ ثقافي آفل، بل باعتباره أداة قياس دقيقة للمسافة التي اتسعت، وربما تصدعت، بين الإنسان المعاصر وأحد أقدم أشكال التعبير الجمالي وأكثرها خطورة.

فخطورته لا تكمن في موضوعاته أو لغته فحسب، بل في كونه يضع الإنسان وجها لوجه مع ذاته، بلا أقنعة رقمية، ولا وسائط تخفف ثقل اللحظة.

المسرح، كما كان دائما، ليس مجرد مكان للعرض، ولا منصة ترفيه، بل فضاء اختبار: اختبار للانتباه، وللقدرة على الصبر، وللاستعداد للمشاركة في تجربة لا تمنح وعودا بالمتعة السهلة.

إنه مواجهة عارية بين الممثل والمتفرج، حيث لا مجال للاختباء خلف زر إيقاف أو تمرير، ولا فرصة لإعادة المشهد حين يفلت المعنى.

هنا، يصبح الزمن نفسه طرفا في التجربة، زمنا لا يُختصر ولا يُدار، بل يُعاش بكل توتره وامتداده.

من هذا المنطلق، يغدو السؤال عن الذهاب إلى المسرح سؤالا عن التحول العميق في بنية التلقي، وعن الإنسان الذي أعادت الميديا تشكيل علاقته بالصورة، والصوت، والمعنى.

هل ما يزال قادرا على الجلوس في العتمة، منتبها، مكشوفا، بلا وساطة شاشة؟ أم أن هذه المواجهة باتت عبئا لا يُحتمل في عصر السرعة والتشظي؟ إن السؤال، في جوهره، لا يخص المسرح وحده، بل يخص الإنسان المعاصر، وحدود قدرته على الإصغاء، وعلى قبول تجربة لا تُصمم خصيصا لإرضائه، بل لمساءلته.

لقد أحدثت الميديا، ووسائط التواصل الاجتماعي على وجه الخصوص، تحولا بنيويا في طبيعة التلقي، تحولا لا يجوز اختزاله في كونه تغيرا تقنيا أو تطورا في أدوات العرض.

إن ما جرى أعمق من ذلك بكثير؛ إنه مسّ جوهر العلاقة بين الإنسان والعمل الفني.

فالمتلقي لم يُزَح عن الفضاءات العامة مصادفة، بل أُعيد توجيهه قسرا نحو فضاء فردي، مغلق، تحكمه شاشة صغيرة تختزل العالم وتعيد ترتيبه وفق إيقاعها الخاص.

لم يعد متفرجا فقط، بل صار منتجا للانطباع، ومعلقا فوريّا، ومستهلكا للمعنى في آنٍ واحد، في دورة لا تتيح له التوقف طويلا عند أي تجربة.

في هذا السياق، تبدو خسارة المسرح لجمهوره نتيجة عرضية لتحول أعمق في مفهوم الانتباه ذاته.

فالتكنولوجيا لم تسحب الإنسان من مقعده في الصالة فحسب، بل أعادت تشكيل صبره، وحددت سقف تحمله للامتداد، وأعادت تعريف علاقته بالزمن بوصفه مادة قابلة للتقطيع والتجاوز.

وهنا، يصبح السؤال الحقيقي أقل مباشرة وأكثر إزعاجا: هل ما يزال المسرح، بوصفه فنا يقوم على الامتداد والحضور المشترك، قادرا على مخاطبة كائن تعوّد على المعنى السريع، والصورة المبتورة، والتجربة القابلة للإلغاء؟ليس التحدي، إذن، في استعادة الجمهور عددا، بل في اختبار قدرة المسرح على الصمود أمام ذائقة تشكلت خارج شروطه.

فالمسرح، في جوهره، لا يساوم على الزمن ولا على الانتباه، وهذه الصرامة ذاتها هي ما تضعه اليوم في موضع مساءلة حادة، وربما ضرورية.

إذا ما اقتربنا من المسرح بعين نقدية لا تعرف المجاملة، فسيتبدد الانطباع السائد بأن المشكلة تكمن في غياب الجمهور.

فالأزمة، في جوهرها، ليست أزمة مقاعد فارغة، بل أزمة وظيفة ملتبسة.

ليس مقبولا أن يتم النظر إلى الفن بوصفه سلعة مطالبة بإرضاء الذائقة السائدة، ولا بوصفه نشاطا يقاس بدرجات القبول العام، بل بوصفه موقفا معرفيا وأخلاقيا من العالم.

من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بعدد من يشاهدون العرض، بل بما إذا كان العرض نفسه يمتلك ضرورة وجوده.

حين ينسحب الجمهور من المسرح، لا يكون ذلك بالضرورة حكما على فشله، بل قد يكون عرضا جانبيا لاختلال أوسع في البنية الثقافية التي يُنتج فيها الفن ويُستقبل.

فالثقافة التي تعوّدت على المعنى السريع، وعلى الجمال القابل للاستهلاك، تجد صعوبة في التعامل مع فن يصر على التعقيد، ويقاوم الاختزال، ويرفض تقديم نفسه في صورة مريحة.

في هذا السياق، يغدو المسرح، لا لأنه متأخر، بل لأنه فنا إشكاليا غير قابل للترويض.

وفق هذا المنظور، يصبح تقييم المسرح مسألة تتعلق بصدقه قبل أي شيء آخر: بوضوح موقفه، وبمدى شجاعته في مواجهة عصر لا يكافئ الأسئلة الصعبة.

فالفن لا يخسر قيمته حين يُساء فهمه، بل حين يتخلى عن توتره الداخلي، وعن قدرته على إرباك الثقافة التي أنتجته.

المعنى لا يُمنح بدون كلفةيضع المسرح المتفرج أمام شرط بات نادرا في الثقافة المعاصرة: شرط الحضور الكامل.

ليس الحضور بوصفه وجودا جسديا فحسب، بل بوصفه استعدادا ذهنيا وأخلاقيا للانخراط في تجربة لا تقبل التجزئة.

هنا، لا تُمنح العين رفاهية الشرود، ولا يُتاح للذهن أن ينسحب بدون أن يترك فراغا محسوسا.

العرض يمضي بصرامة، غير قابل للإيقاف أو الإرجاع، ولا يعترف بحق المتفرج في التحكم بإيقاعه.

في هذا الفضاء، يتحول الزمن إلى عنصر فاعل، لا إلى خلفية محايدة.

إنه زمن يُثقل التجربة بدلا من أن يخففها، ويطالب المتلقي بأن يعي امتداده بدل أن يفر منه.

هذه العلاقة الصارمة بالزمن هي ما يجعل المسرح فنا غير مريح في عصر اعتاد تسهيل كل شيء، حتى التلقي ذاته.

فبينما تعد الوسائط الرقمية بتجارب خفيفة وقابلة للتجاوز، يصر المسرح على أن المعنى لا يُمنح دون كلفة، وأن الانتباه ليس خيارا ثانويا، بل جوهر التجربة كلها.

في الجهة المقابلة، تُغري الوسائط الرقمية المتلقي بوهم السيطرة الكاملة على التجربة.

له أن يختار ما يشاء، وأن يقاطع في أي لحظة، وأن يعلّق بدون التزام، ثم يغادر بلا أثر.

هذه الحرية الظاهرية لا تُفضي إلى تعميق التلقي، بل إلى تفتيته.

فالتجربة لا تُمنح زمنا كافيا لكي تتشكل، بل تُستهلك على هيئة انطباعات متلاحقة، سرعان ما يطغى بعضها على بعض قبل أن يترسخ أي معنى.

في هذا النمط من التلقي، لا يُطلب من المتفرج سوى رد فعل سريع، قابل للاستبدال، لا موقفا ولا تفكيرا.

وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين فضاءين لا يلتقيان إلا ظاهريا: فالمسرح يبني تجربته على المواجهة، وعلى انكشاف المتلقي أمام ما يُعرض، بينما تقوم الشاشة على الاستهلاك السريع، حيث تُفرغ الصورة من ثقلها بمجرد تمريرها.

ما يبدو حرية، هو في جوهره انسحاب هادئ من تجربة مكتملة، واستبدالها بسيل من الإشارات العابرة التي لا تترك أثرا دائما.

ولا يستعيد المسرح موقعه بمحاولة مجاراة الهاتف الذكي، ولا بتقليد إيقاعه اللاهث، لأن مثل هذه المحاولة محكوم عليها بالفشل منذ بدايتها.

فالمسرح لا يخسر حين يرفض السرعة، بل حين يتخلى عما يجعله مختلفا جذريا.

قوته لا تكمن في الانتشار الواسع، ولا في القدرة على جذب أكبر عدد ممكن من المتفرجين، بل في وعيه بأنه فن موجّه إلى من يقبل شروطه.

إنه فن لا يخجل من محدوديته، لأن هذه المحدودية ذاتها هي التي تحميه من التسليع، وتمنحه ثقله الخاص.

في هذا المعنى، يصبح المسرح فعلا مقاوما، لا بوصفه شعارا أيديولوجيا، بل بوصفه ممارسة جمالية ترفض التبسيط وتقاوم الوهم القائل إن كل تجربة يجب أن تكون سهلة، سريعة، ومتاحة بلا كلفة.

وهنا يتعقد السؤال: هل المطلوب مسرح يسعى إلى الجماهيرية مهما كان الثمن، أم مسرح يدافع عن ضرورته حتى لو اقتصر جمهوره على قلة واعية؟ هذا السؤال لا يتعلق بالعدد، بل بالقيمة، وبالوظيفة التي يُفترض أن ينهض بها الفن داخل الثقافة.

الكتابة عن المسرح اليوم لا ينبغي أن تنزلق إلى نبرة الرثاء، بل إلى مساءلة العروض ذاتها: مدى وعيها بشروطها، وبالسياق الذي تُنتج فيه، وباللغة التي تخاطب بها متفرجها.

فالقيمة الفنية لا تُقاس بعدد المقاعد المشغولة، بل بقدرة العمل على الصمود أمام الزمن، وعلى الاحتفاظ بتوتره بعد انقضاء اللحظة.

صحيح أن الميديا وسّعت دوائر الوصول، وأعادت تعريف الجمهور، لكنها في الوقت ذاته كشفت هشاشة الذائقة وسرعة استهلاك المعنى.

في هذا الفراغ، يمتلك المسرح فرصة نادرة: أن يكون نقيضا واعيا، لا امتدادا، وأن يطالب المتفرج بما لم يعد شائعا اليوم، وقتا حقيقيا، وجهدا ذهنيا، وتجربة لا تختصر بلمسة إصبع.

يذهب إليه من لم يتخل تماما عن الإيمان بقيمة اللقاء الحي، وبفكرة أن الفن حدث يُعاش لا مادة تُستهلك.

أولئك الذين يدركون أن الجمال لا يُقاس بمدى انتشاره، بل بقدرته على إحداث خلخلة في الوعي، ولو كانت محدودة الأثر وعدد الشهود.

الذهاب إلى المسرح، في هذا المعنى، فعل قبول بالهشاشة؛ قبول بأن يكون المتفرج طرفا غير متحكم، خاضعا لإيقاع العرض، معرضا للملل أو الارتباك، وربما للرفض ذاته.

ومع ذلك، فإن اختزال الأزمة في الجمهور وحده يظل قراءة مريحة أكثر مما هي دقيقة.

فالمسرح، في غير تجربة معاصرة، أسهم في توسيع المسافة بينه وبين متلقيه حين تنازل عن توتره الداخلي، أو استعار لغة سريعة لا تنتمي إلى طبيعته، أو لجأ إلى خطاب مباشر يظن أن النية الطيبة تعوض غياب الصرامة الجمالية.

هنا، يفقد العمل ضرورته لا لأنه صعب، بل لأنه سهل أكثر مما ينبغي.

فالفن لا يعيش بالرسائل، بل بقدرته على تحويلها إلى تجربة متماسكة، صادقة، لا تطلب التسامح بل الاحترام.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك