تشهد أسواق الدواجن في تونس خلال الأسابيع الأخيرة اضطراباً ملحوظاً بين نقص في عرض منتجات الدجاج وارتفاع متسارع في الأسعار، ما أثار موجة استياء لدى المستهلكين، خاصة مع تزايد الاعتماد على لحوم الدجاج مصدرَ بروتين منخفض الكلفة مقارنة باللحوم الحمراء والأسماك.
ورغم محاولات ضبط السوق، تجاوزت أسعار الدجاج في بعض المناطق سقف 18 ديناراً للكيلوغرام (6.
2 دولارات) لبعض الأجزاء، في حين حددت السلطات أسعاراً قصوى أقل بكثير لا تتجاوز 7.
5 دنانير عند البيع من المذابح، ما يعكس اختلالاً واضحاً بين الأسعار الرسمية وتلك المتداولة فعلياً في الأسواق.
وتقر السلطات الرسمية بتسجيل أسعار مرتفعة للدجاج، حيث أكدت وزارة التجارة أنها رصدت" زيادات مشطة وغير مبررة" من قبل بعض المنتجين والموزعين، ما أدى إلى إرباك مسالك التوزيع وتعقيد عملية التزوير، كما تشير بيانات معهد الإحصاء الحكومي إلى أن أسعار الدجاج ارتفعت في فبراير/ شباط الماضي، 12.
8%، مسجلة مستويات عالية من الزيادة ضمن مجموعة المواد الغذائية التي ارتفعت بدورها 7.
6%.
وفي المقابل يرى مهنيون في القطاع أن الأزمة لا ترتبط بالإنتاج فقط، بل تعود أساساً إلى اضطرابات في مسالك التوزيع.
وفي هذا الاتجاه، أكد رئيس الغرفة الوطنية للدواجن إبراهيم النفزاوي أن السوق شهدت إقفال عدد من المذابح بسبب الخسائر الناتجة عن التسعيرة المفروضة، فضلاً عن لجوء بعض الفاعلين إلى الاحتكار وبيع الدجاج بأسعار مرتفعة.
وقال النفزاوي لـ" العربي الجديد" إن نقص العرض يعود إلى ارتفاع الطلب وضغوط موسمية على الإنتاج كانت قد بزرت تزامناً مع شهر رمضان المبارك، حيث يلجأ المستهلكون بكثافة إلى الدواجن باعتبارها الخيار الأرخص نسبياً.
ويقدر النفزاوي نسبة الكفاية التي تحققها الدواجن من حاجيات التونسيين من اللحوم بنحو 70%، مسجلاً تصاعد هذه النسبة على حساب اللحوم الحمراء والسمك اللذين أُقصيا من موائد شريحة واسعة من المواطنين نتيجة الغلاء.
ويقول إن" الوفرة هي الآلية الوحيدة لتحقيق استقرار على مستوى الأسعار".
في المقابل، يحمّل صغار منتجي الدواجن في تونس" حيتان" الشركات الكبرى الناشطة في القطاع مسؤولية زيادة أسعار الدجاج والبيض بمستويات قياسية وذلك بسبب إحكامها السيطرة على كامل منظومة الإنتاج وتوجيهها الأسعار وفقاً لمصالحها، ما سبَّب إفلاسَ مئات صغار المربين.
وفي مواجهة هذا الوضع، اتخذت السلطات جملة من الإجراءات، من بينها تحديد أسعار قصوى للدواجن و فتح تحقيقات في شبهات المضاربة والاحتكار بهدف إعادة التوازن للسوق وضمان توفر الدواجن بأسعار معقولة، خاصة أنها مادة أساسية في الاستهلاك اليومي.
لكن استمرار الاضطرابات الراهنة يضع المستهلك أمام خيارات محدودة في ظل تراجع القدرة الشرائية.
ويراهن الفاعلون في القطاع على زيادة الإنتاج خلال هذه الفترة مع الدعوة إلى تنظيم حوار بين مختلف المتدخلين لضبط الأسعار الحقيقية وتحسين مسالك التوزيع، علماً أنه منذ تطوّر استهلاك الدواجن في ثمانينيات القرن الماضي، احتلت اللحوم البيضاء مراتب متقدمة في مصادر البروتين الحيواني في غذاء الأسر التونسية حتى غدت المصدر الرئيسي خلال السنوات الأخيرة، مع تراجع استهلاك اللحوم الحمراء والسمك لأسباب اقتصادية في الأساس.
ويساهم قطاع الدواجن بنسبة 12% في الإنتاج الفلاحي و32% في الإنتاج الحيواني، إضافة إلى مساهمته في تغطية الحاجيات الاستهلاكية من اللحوم بنسبة تراوح بين 50 و53% وتوفيره لما لا يقل عن 15 ألف موطن عمل بحسب بيانات رسمية للمجمع المهني المشترك لمنتوجات الدواجن والأرانب.
وفي وقت سابق، حذرت منظمات مدنية ومنها منظمة آلارت التي تنتقد الأنشطة الريعية من تواصل سيطرة مجموعات كبرى على إنتاج البيض واللحوم البيضاء وهي ذاتها المزود الوحيد للمربين بالمواد الأولية الأساسية من الذرة والصويا.
وسجّل استهلاك التونسيين من اللحوم الحمراء خلال السنوات الماضية تراجعاً كبيراً بسبب الأسعار المرتفعة للحوم الضأن والبقر، حيث تكشف بيانات رسمية لمعهد الاستهلاك الحكومي أن استهلاك الفرد التونسي من اللحوم لا يتجاوز تسعة كيلوغرامات سنوياً، مقابل معدل عالمي لا يقل عن 43 كيلوغراماً للفرد سنوياً، وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك