في خطوة مفاجئة وغير مسبوقة، أصدر مجلس السيادة الانتقالي في السودان قرارًا بحل “كتبية البراء بن مالك”، إحدى أبرز الميليشيات الإسلامية التي قاتلت إلى جانب الجيش السوداني طيلة سنوات الحربالقرار رقم 271 لسنة 2026، تضمن حل الكتيبة نهائيًا، وإيداع أسلحتها ومعداتها العسكرية لدى القوات المسلحة، والدمج أو التسريح لقادتها ووحداتها وفق القانونيمثل هذا القرار منعطفًا حاسمًا ليس فقط في مسار الحرب السودانية، بل في علاقة الدولة السودانية بالجماعات المسلحة ذات المرجعية الإسلامية التي تشكلت وتوسعت في ظل الحربفما قصة هذه الميليشيات؟ وما الذي دفع الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى اتخاذ هذا القرار في هذا التوقيت بالذات؟كتبية البراء بن مالك من “كتائب الظل” إلى العمود الفقري للجيشظهرت كتبية البراء بن مالك بعد سقوط نظام عمر البشير، لكن حضورها العسكري الفعلي بدأ مع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، حيث شارك آلاف المقاتلين في القتال ضد قوات الدعم السريع في شوارع الخرطومعلى مرّ السنوات، تحولت الكتيبة إلى قوة ضاربة مزودة بأحدث المعدات العسكرية، من عربات قتالية ومدافع رشاشة إلى طائرات مسيرة وغرف تحكم وسيطرة ميدانية.
ووصف محللون الكتيبة بأنها “العمود الفقري” للجيش السودانيلكون تمويلها وتسليحها جاء من وزارة المالية عبر القوات المسلحة، إلى جانب تبرعات من مؤيديهايقود الكتيبة المصباح أبو زيد طلحة، الذي ارتقى من صاحب متجر صغير إلى شخصية عسكرية وسياسية بارزة، مع قيادة تضم ثلاثة عناصر من الحركة الإسلاميةالميليشيات الإسلامية في الحرب السودانية ظاهرة مقلقةلم تكن كتبية البراء بن مالك التشكيل الإسلامي الوحيد في الحرب، فهناك تشكيلات أخرى مثل “كتيبة الشهيد أنس”، و”البرق الخاطف”، و”أنصار الله”، تعمل ضمن شبكة فصائلية معقدة موالية للإسلاميينويرى خبراء أن هذه الميليشيات تشكل “وقود الحرب الأهلية”، إذ تساهم في تأجيج الصراع وإطالة أمده، بينما فتحت الحرب الباب أمام تمدد الجماعات الإسلامية والإيرانية، ما زاد تعقيد المشهد العسكريكما أن نشاط هذه التشكيلات أثار مخاوف دولية وإقليمية، خصوصًا فيما يتعلق بأمن الملاحة في البحر الأحمر، نظرًا لانتشارها وتسليحها المتطورالضغوط الدولية: التصنيف كمنظمة إرهابيةفي مارس 2026، صُنفت الحركة الإسلامية وميليشياتها، بما فيها كتبية البراء بن مالك، من قبل الولايات المتحدة كمنظمات إرهابيةردود الفعل في السودان كانت متباينة: رحبت بها القوى المدنية، فيما عقدت قيادة الكتيبة مؤتمرًا صحفيًا للرد على القرار الأمريكيويضع هذا التصنيف الحكومة السودانية في موقف محرج، إذ أن وجود تشكيل مصنف إرهابي ضمن صفوف الجيش يعرض الخرطوم لعقوبات محتملة، ويجعل استمرار الكتيبة في صفوف الجيش أمرًا صعب الدفاع عنه دوليًادوافع قرار الحل لماذا الآن؟تتعدد الأسباب التي دفعت البرهان إلى اتخاذ القرار:الضغط الدولي التصنيف الإرهابي للكتيبة جعل استمرارها تحت مظلة الجيش غير مقبول، والخيارات محدودة: حل أو مواجهة عواقب دوليةصراع السلطة داخل المؤسسة العسكرية القرار يعكس التوتر بين منطق الدولة الذي يسعى لحصر السلاح بيد الجيش النظامي، ومنطق الميليشيات الذي يسعى للحفاظ على نفوذهالتحضير لما بعد الحرب بعد عامين من الحرب دون أفق واضح، باتت إعادة بناء الدولة والمؤسسة العسكرية ضرورة، ودمج أو تفكيك الميليشيات جزء من هذه الرؤياستباق تمرد محتمل تزايد النفوذ الإسلامي خلال الحرب دفع القيادة لتقليص فرص أي تمرد إخواني مستقبلي داخل مؤسسات الدولةعسكريًا قد يؤدي تفكيك الكتيبة إلى فراغ أمني مؤقت في بعض الجبهات، لكنه يعزز مركزية القرار العسكريسياسيًا الخطوة تُعتبر انتصارًا لقوى الدولة المدنية، لكنها قد تثير غضب الأوساط الإسلامية التي تعتبر القرار خيانة لمن “ضحوا” في الحربدوليًا يُحسن القرار صورة السودان أمام المجتمع الدولي، وقد يساعد في تخفيف بعض العقوبات، لكن يبقى مرتبطًا بتنفيذ الخرطوم الفعلي لتفكيك بقية التشكيلات المماثلةإقليميًا يخفف القرار من مخاوف الجوار بشأن استخدام السودان منصة للجماعات المسلحة، ما يعزز الاستقرار الإقليمياختبار لإرادة الدولة السودانيةقرار حل كتبية البراء بن مالك ليس مجرد خطوة عسكرية، بل اختبار لإرادة الدولة في السيطرة على مؤسساتها وحصر السلاح بيد الجيش النظامي.
السؤال الأكبر الآن هل سيمتد القرار ليشمل بقية الميليشيات الإسلامية؟ وهل تمتلك الحكومة القدرة على تطبيق الحل ميدانيًا دون مواجهة مقاومة مسلحة؟في النهاية، يشكل هذا القرار بداية رحلة طويلة نحو إعادة بناء الدولة والمؤسسة العسكرية السودانيةنجاح هذه الخطوة سيكون مؤشرًا حقيقيًا على قدرة القيادة السياسية على تحويل القرار إلى واقع ملموس في الميدان، ومفتاحًا لتثبيت سلطة الدولة على كامل أراضيها بعد سنوات من الفوضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك