الأهداف القومية العليا للسودان بعد الحرب الأهلية: النمو الاقتصادي، فصل الجيش عن السياسة والاقتصاد، وهزيمة الإسلام السياسي (الجزء الثاني)أستاذ جامعي في مجال الصحة العامةالمدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدراتالمدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبياناتالخلفية التاريخية التحليلية المتكاملة3.
1 الجيش السوداني 1956–20253.
1.
1 1956–1969: دور محدود، تأثير اقتصادي ضعيففي الفترة الممتدة من الاستقلال في 1956 حتى انقلاب مايو 1969، كان دور الجيش السوداني محدودًا نسبيًا من حيث التدخل المباشر في الاقتصاد، رغم تدخله السياسي المبكر في انقلاب نوفمبر 1958 بقيادة الفريق إبراهيم عبود.
خلال هذه الفترة، لم يكن للجيش وجود مؤسسي اقتصادي واسع، حيث كان النشاط الاقتصادي يتركز في القطاع الزراعي المدني، خاصة في مشروع الجزيرة، وفي بعض المؤسسات الحكومية التقليدية في الخرطوم وبورتسودان (Johnson, 2011).
بلغ الناتج المحلي الإجمالي حوالي 3.
2 مليار دولار في 1956 وارتفع تدريجيًا إلى حوالي 5.
1 مليار دولار في 1969، بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 3٪ و4٪، وهو نمو مرتبط أساسًا بتقلبات الإنتاج الزراعي وأسعار القطن في الأسواق العالمية (World Bank, 2024).
في هذه المرحلة، لم تتجاوز مساهمة الجيش الاقتصادية المباشرة نسبة تقديرية تتراوح بين 1٪ و3٪ من النشاط الاقتصادي الكلي، حيث اقتصر دوره على إدارة بعض المؤسسات اللوجستية والإمدادات العسكرية، دون امتداد إلى قطاعات الإنتاج المدني.
إلا أن تدخل الجيش السياسي المبكر أضعف تطور المؤسسات المدنية، حيث أدى الحكم العسكري 1958–1964 إلى تعطيل التجربة الديمقراطية الوليدة، مما أثر بشكل غير مباشر على بيئة الاستثمار والاستقرار الاقتصادي.
3.
1.
2 1969–1985: سيطرة سياسية واقتصادية، توسع مشاريع الدولةمع انقلاب جعفر نميري في مايو 1969، دخل الجيش مرحلة جديدة من السيطرة السياسية الكاملة، مع توسع تدريجي في النشاط الاقتصادي عبر الدولة.
تم تأميم البنوك والشركات الكبرى في 1970–1971، مما أدى إلى انتقال ملكية واسعة إلى الدولة، التي كانت خاضعة فعليًا لسيطرة النخبة العسكرية الحاكمة (Collins, 2008).
في هذه الفترة، توسعت المشاريع القومية مثل مشروع الرهد الزراعي ومشاريع السكر في كنانة وسنار، إضافة إلى التوسع في البنية التحتية في الخرطوم ومدن أخرى.
بلغ الناتج المحلي الإجمالي حوالي 6.
3 مليار دولار في 1970 وارتفع إلى حوالي 12.
5 مليار دولار في 1985، بمعدل نمو 4–5٪ سنويًا، إلا أن هذا النمو كان مصحوبًا بارتفاع التضخم إلى أكثر من 20٪ في بعض السنوات، وعجز مالي بلغ حوالي 7٪ من الناتج (IMF, 2023).
في هذه المرحلة، ارتفعت مساهمة الجيش غير المباشرة في الاقتصاد إلى نحو 5٪–10٪، من خلال سيطرته على الدولة والمؤسسات العامة، رغم عدم وجود شركات عسكرية مستقلة بالمعنى الحديث.
تطبيق قوانين الشريعة في 1983 مثّل نقطة تحول، حيث بدأ التداخل بين الجيش والإسلام السياسي، مما أضاف بعدًا أيديولوجيًا لإدارة الاقتصاد والدولة.
3.
1.
3 1985–1989: دور انتقالي محدودبعد انتفاضة أبريل 1985 وسقوط نظام نميري، تولى المجلس العسكري الانتقالي السلطة لفترة قصيرة، تلتها حكومة مدنية منتخبة.
في هذه المرحلة، انخفض الدور الاقتصادي المباشر للجيش نسبيًا، حيث لم تتجاوز مساهمته 5٪ تقريبًا من النشاط الاقتصادي.
بلغ الناتج المحلي الإجمالي حوالي 13.
2 مليار دولار في 1985 و13.
9 مليار دولار في 1989، مع نمو ضعيف بين 0٪ و2٪، وارتفاع البطالة إلى 12–15٪، والفقر إلى حوالي 50٪، والتضخم إلى 15–20٪ (World Bank, 2024).
ورغم تراجع الدور الاقتصادي المباشر، ظل الجيش لاعبًا سياسيًا حاسمًا، مما مهّد لانقلاب 1989.
3.
1.
4 1989–2019: سيطرة شاملة على الاقتصاد (نفط، زراعة، بنية تحتية)تمثل هذه الفترة ذروة سيطرة الجيش على الاقتصاد السوداني.
بعد انقلاب 1989، تم إنشاء شبكة واسعة من الشركات العسكرية والأمنية، خاصة تحت إشراف وزارة الدفاع وجهاز الأمن والمخابرات.
توسعت هذه الشركات في قطاعات النفط (حقول هجليج والوحدة)، الذهب (نهر النيل ودارفور)، الزراعة، الاتصالات، والبنية التحتية (de Waal, 2015).
مع بدء تصدير النفط في 1999، ارتفع الناتج المحلي من حوالي 14.
2 مليار دولار في 1989 إلى حوالي 38 مليار دولار في 2011، ووصل إلى ذروة 64.
8 مليار دولار في 2008.
بلغ متوسط النمو 5–7٪ سنويًا، إلا أن هذا النمو كان غير شامل (World Bank, 2024).
تُقدّر مساهمة الشركات العسكرية والأمنية في الاقتصاد خلال هذه الفترة بين 20٪ و35٪ من الناتج المحلي، مع سيطرة شبه كاملة على القطاعات الاستراتيجية.
3.
1.
5 2019–2025: محاولات فصل مع مقاومة داخليةبعد سقوط نظام البشير في 2019، بدأت محاولات لإصلاح الاقتصاد وتقليص دور الجيش، خاصة خلال الحكومة الانتقالية 2019–2021.
تم طرح مبادرات لإخضاع الشركات العسكرية لوزارة المالية، إلا أن هذه المحاولات واجهت مقاومة شديدة من داخل المؤسسة العسكرية.
في 2023، أدت الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى إعادة عسكرة الاقتصاد بشكل أكبر، حيث تم توجيه الموارد نحو الحرب، وتدمير البنية التحتية في الخرطوم ودارفور.
تُقدّر مساهمة الجيش الاقتصادية في هذه المرحلة بين 25٪ و40٪، نتيجة توسع الاقتصاد الحربي.
تشير البيانات إلى علاقة عكسية بين سيطرة الجيش والنمو الاقتصادي المستدام:1956–1969: سيطرة منخفضة (1–3٪) → نمو مستقر 3–4٪1989–2011: سيطرة مرتفعة (20–35٪) → نمو مرتفع لكنه غير مستدام2011–2025: سيطرة مرتفعة (25–40٪) → نمو منخفض أو سلبيكما ترتبط سيطرة الجيش بارتفاع الفساد وانخفاض كفاءة تخصيص الموارد، حيث تعمل الشركات العسكرية خارج الأطر الضريبية والتنظيمية (Acemoglu & Robinson, 2012).
3.
2 الاقتصاد السوداني 1956–2025بلغ الناتج المحلي الإجمالي 3.
2 مليار دولار في 1956 و5.
1 مليار دولار في 1969، مع نمو 3–4٪، بطالة حوالي 8٪، وفقر 40٪.
كان الاقتصاد يعتمد على الزراعة بنسبة تفوق 55٪، مع ضعف الصناعة (World Bank, 2024).
ارتفع الناتج من 6.
3 مليار دولار إلى 12.
5 مليار دولار، مع نمو 4–5٪، بطالة 12٪، فقر 45٪، وعجز 7٪.
شهدت هذه الفترة توسعًا في القطاع العام، لكنه أدى إلى انخفاض الكفاءة (IMF, 2023).
بلغ الناتج 13.
2 إلى 13.
9 مليار دولار، مع نمو 0–2٪، بطالة 12–15٪، فقر 50٪، تضخم 15–20٪، ما يعكس أزمة اقتصادية (World Bank, 2024).
ارتفع الناتج من 14.
2 مليار دولار إلى 38 مليار دولار، وبلغ 64.
8 مليار دولار في 2008، مع نمو 5–7٪، بطالة 10–15٪، فقر 45٪.
كان النمو مدفوعًا بالنفط، لكنه غير شامل (World Bank, 2024).
انخفض الناتج إلى 30–32 مليار دولار بعد فقدان النفط، ثم إلى حوالي 50 مليار دولار في 2024، مع نمو 1–3٪ أو سلبي، بطالة 20٪، فقر ≥50٪، تضخم تجاوز 100٪ (World Bank, 2024).
يرتبط النمو في السودان بأربعة عوامل رئيسية:النفط: أدى إلى طفرة مؤقتةالحروب: أدت إلى تدمير الاقتصادتدخل الجيش: أدى إلى تشوه السوقالسياسات الاقتصادية: عدم استقرار3.
3 الإسلام السياسي 1950–2025كان نفوذ الإسلام السياسي محدودًا، حيث اقتصرت جماعة الإخوان المسلمين على النشاط الدعوي في الخرطوم (Bayat, 2013).
بدأ النفوذ في التوسع، خاصة بعد المصالحة الوطنية 1977، وبلغ ذروته مع تطبيق الشريعة في 1983.
شهدت هذه الفترة صعودًا سياسيًا واضحًا، حيث شاركت الجبهة الإسلامية القومية في الحكومة والبرلمان.
تمثل هذه الفترة ذروة السيطرة، حيث سيطر الإسلام السياسي على التعليم والقضاء والإعلام.
تراجع النفوذ رسميًا، لكنه استمر بشكل غير مباشر عبر التحالفات السياسية والعسكرية.
مما ساهم في إضعاف الدولة والاقتصاد (de Waal, 2015).
4.
1 تصميم الدراسة متعدد المناهجتعتمد هذه الدراسة على تصميم منهجي متعدد يجمع بين المناهج الكمية والنوعية والتاريخية والمقارنة، بهدف تحليل الظواهر المعقدة والمتداخلة بين الاقتصاد والسياسة والمؤسسة العسكرية والإسلام السياسي في السودان خلال الفترة 1956–2025.
يتضمن التصميم أربعة مستويات تحليلية متكاملة:أولًا، التحليل الكمي الطولي (Longitudinal Quantitative Analysis) الذي يغطي 65 عامًا، ويستخدم بيانات الناتج المحلي الإجمالي بالدولار الأمريكي، معدلات النمو السنوي، التضخم، البطالة، الفقر، الاستثمار الأجنبي المباشر، والإنفاق العسكري.
على سبيل المثال، يتم تحليل تطور الناتج من حوالي 1.
1 مليار دولار في 1960 إلى 64.
8 مليار دولار في 2008 ثم إلى نحو 50 مليار دولار في 2024، مع ربط هذه القيم بالتحولات السياسية والمؤسسية (World Bank, 2024).
ثانيًا، التحليل النوعي المؤسسي (Qualitative Institutional Analysis) الذي يركز على دراسة تطور المؤسسات السياسية والعسكرية والدينية، مثل دور القوات المسلحة السودانية، جهاز الأمن والمخابرات، والجبهة الإسلامية القومية، وتأثيرها على السياسات الاقتصادية والتعليمية والقضائية (de Waal, 2015).
ثالثًا، التحليل التاريخي المقارن (Historical Comparative Analysis) الذي يقسم الفترة الزمنية إلى خمس مراحل رئيسية (1956–1969، 1970–1985، 1985–1989، 1989–2011، 2011–2025)، ويقارن أداء كل مرحلة من حيث النمو الاقتصادي، الاستقرار السياسي، ودور الجيش والإسلام السياسي.
رابعًا، التحليل السببي (Causal Analysis) الذي يستخدم نماذج تفسيرية لاختبار العلاقات بين المتغيرات، مثل العلاقة بين نسبة سيطرة الجيش على الاقتصاد (المقدرة بين 1–3٪ في الستينيات و20–35٪ في فترة 1989–2011) ومعدلات النمو الاقتصادي (Acemoglu & Robinson, 2012).
هذا التصميم المتعدد يهدف إلى تجاوز محدودية المناهج الأحادية، ويضمن تحليلًا شاملًا يجمع بين البيانات الكمية والتفسير المؤسسي والتاريخي.
4.
2 مصادر البيانات الوطنية والدوليةتعتمد الدراسة على مجموعة واسعة من المصادر الموثوقة عالية الجودة لضمان الدقة والموثوقية، وتشمل:أولًا، قواعد البيانات الدولية:بيانات البنك الدولي (World Bank, 2024) التي توفر مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي، النمو، الفقر، البطالة، التضخم، الاستثمار.
بيانات صندوق النقد الدولي (IMF, 2023) المتعلقة بالسياسات المالية، العجز، الدين العام، والاستقرار النقدي.
بيانات الأمم المتحدة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) المتعلقة بمؤشرات التنمية البشرية، حيث يبلغ مؤشر السودان 0.
508 في 2022.
تقارير بنك السودان المركزي حول التضخم وسعر الصرف، حيث بلغ التضخم 138.
8٪ في 2022.
بيانات الجهاز المركزي للإحصاء حول الفقر والبطالة.
تقارير وزارة المالية حول الميزانية العامة والإنفاق العسكري.
ثالثًا، الدراسات الأكاديمية:دراسات (de Waal, 2015) حول الاقتصاد السياسي للنظام السوداني.
دراسات (Johnson, 2011) حول تاريخ السودان الحديث.
دراسات (Collins, 2008) حول تطور الدولة السودانية.
تقارير المنظمات الدولية حول النزاعات والحروب، خاصة الحرب في 2023 التي أدت إلى خسائر اقتصادية تتجاوز 11 مليار دولار.
4.
3 بناء قاعدة بيانات زمنية 1956–2025تم بناء قاعدة بيانات زمنية شاملة تغطي 65 عامًا، حيث يتم تجميع البيانات سنويًا لكل مؤشر رئيسي، وتشمل:الناتج المحلي الإجمالي بالدولار الأمريكي (من 1.
1 مليار دولار في 1960 إلى 64.
8 مليار دولار في 2008 ثم إلى 50 مليار دولار في 2024)معدل النمو السنوي (من -14٪ في 2023 إلى +7٪ في بعض سنوات الطفرة النفطية)معدل البطالة (8٪ في الستينيات إلى 20٪ بعد 2011)معدل الفقر (40٪ في الستينيات إلى أكثر من 50٪ بعد 2011)معدل التضخم (15–20٪ في الثمانينيات إلى 138.
8٪ في 2022)نسبة مساهمة الجيش في الاقتصاد (1–3٪ في الستينيات إلى 20–40٪ بعد 1989)مؤشر نفوذ الإسلام السياسي (مؤشر نوعي مركب يعتمد على السيطرة المؤسسية)تم توحيد البيانات باستخدام الدولار الأمريكي بالأسعار الجارية، مع معالجة الفجوات عبر تقنيات الاستيفاء الإحصائي، وضبط التغيرات الهيكلية مثل انفصال جنوب السودان في 2011.
تعتمد الدراسة على مجموعة من الأدوات التحليلية المتقدمة:أولًا، التحليل الزمني (Time Series Analysis) لدراسة تطور المؤشرات الاقتصادية عبر الزمن، مثل تحليل اتجاهات الناتج المحلي من 1960 إلى 2024.
ثانيًا، التحليل السببي (Causal Analysis) باستخدام نماذج الانحدار، لقياس تأثير متغيرات مثل الإنفاق العسكري أو سيطرة الجيش على النمو الاقتصادي.
ثالثًا، التحليل المقارن (Comparative Analysis) لمقارنة السودان بدول أخرى خرجت من نزاعات مثل رواندا وإثيوبيا، حيث حققت معدلات نمو تتجاوز 7٪ بعد الإصلاحات المؤسسية (Collier, 2007).
رابعًا، تحليل الحساسية (Sensitivity Analysis) لتقييم تأثير التغيرات في المتغيرات الرئيسية، مثل تأثير تقليل سيطرة الجيش من 30٪ إلى 10٪ على النمو الاقتصادي.
4.
5 بناء مؤشرات مركبة لكل هدفتم تطوير ثلاثة مؤشرات مركبة لقياس الأهداف القومية:أولًا، مؤشر النمو الاقتصادي المركب، ويشمل:ثانيًا، مؤشر فصل الجيش، ويشمل:نسبة الشركات العسكرية من الناتجنسبة الإنفاق العسكري إلى الناتجثالثًا، مؤشر تراجع الإسلام السياسي، ويشمل:تأثير الخطاب الديني في السياسةيتم حساب هذه المؤشرات باستخدام أوزان نسبية، وتوحيدها على مقياس من 0 إلى 100.
4.
6 منهجية الربط بين البيانات والنظرياتتعتمد الدراسة على ربط مباشر بين البيانات الكمية والأطر النظرية، حيث يتم اختبار الفرضيات النظرية باستخدام البيانات التاريخية.
يتم اختبار نظرية المؤسسات عبر ربط جودة المؤسسات بمعدلات النمويتم اختبار نظرية احتكار العنف عبر ربط تعدد القوى العسكرية بالاستقراريتم اختبار نظرية رأس المال البشري عبر ربط التعليم بالإنتاجيةهذا الربط يضمن أن التحليل ليس وصفيًا فقط، بل تفسيريًا وتطبيقيًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك