هذا الفيلم الذي يجمع بتناقض صارخ بين الكوميديا والمأساة، ثيمته سياسية من أوله إلى آخره، لهذا عدّ ضمن الأفلام المصرية الخمس الأولى في قائمة استفتاء أفضل مئة فيلم سياسي، الذي أجراه مهرجان الإسكندرية السينمائي عام 2025.
أنتج الفيلم عام 1979، عن واقعة حقيقية مروية في كتاب «حوار خلف الأسوار» للكاتب المصري جلال الدين الحمامصي، كتب السيناريو والحوار فاروق صبري، وهو من إخراج حسين كمال.
وقام بالأدوار الرئيسة عادل إمام بدور (جابر)، وعبد المنعم مدبولي بدور (مرزوق)، وسعيد عبد الغني بدور (رمزي)، يونس شلبي بدور (علي)، إسعاد يونس (سونيا)، ومشيرة إسماعيل بدور (منى)، وجمال إسماعيل (الجلاد عبد المعطي)، وجدي العربي بدور (محمود)، عقيلة راتب (حفيظة زوجة مرزوق).
باب السخرية السوداء يفتحه جابر، حينما يجري مونولوجاً مع نفسه، وهو يستقل السيارة التي تنقله إلى القاهرة، لكي يباشر بالعمل في جمعية الرفق بالحيوان، وهو خريج كلية العلوم ـ جيولوجي.
هذا المونولوج اعتذار لأبيه وأمه.
فقد أفهمهما، بأنه سيعمل في اختصاصه.
ولا يستطيع أن يبلغهما بالحقيقة المرة.
وحينما يدخل إلى مقر القوى العاملة المسؤولة عن التعيينات، تبرز كاميرا الفيلم شعاراً مُعلقاً على الجدار يثير السخرية أيضاً؛ الرجل المناسب في المكان المناسب.
فالذي حصل مع جابر يثبت العكس.
المحطة الثانية من السخرية مبطنة بالخوف من أجهزة الدولة القمعية آنذاك، حيث تجري أحداث الفيلم عام 1966، أي قبل عام النكسة.
جابر وشلّته يحتفلون فوق سطح العمارة، صوت الموسيقى العالي والدبك من قبل الشلة على الأرضية، تجعل مرزوق، الذي يسكن تحت شقة جابر، يضيق بما يحصل، فينزل السلم ليوبخ الجار المشاكس، الذي كلمه بلغة توحي بأنه من جهة أمنية، فيخاف مرزوق ويسارع بالاعتذار.
ومن ثم يسعى الأخير ليبين بأنه مع الدولة والحكومة، ويملأ جدران شقته بشعارات مؤيدة للحكومة.
وبدأ يشك في كل واحد يتعامل معه، قد يكون وشى به عند الأمن.
تنشأ علاقة حب بين جابر ومنى ابنة مرزوق الموظف، الذي يعاني براتبه البسيط، من أجل إكمال تعليم ابنته وابنه، وتوفير أبسط حدود العيش الكريم لعائلته المكونة من أربعة أفراد، رابعهم زوجته حفيظة، التي تعاني من مرض مزمن.
لكن هذا الحب لم يُقدر له أن يعيش.
إذ تحصل المأساة الكبيرة، حين يُساق جابر ومرزوق إلى مركز الشرطة، بعد الخلاف مع جابي الأوتوبيس.
ووافق حظهما التعس، أن الأجهزة الأمنية تشن حملة اعتقالات واسعة لوجود خطة مزعومة لقلب نظام الحكم.
تتوالى الاتصالات بين رؤوس الأجهزة الأمنية، من أجل إحكام القبضة على المعارضين المزعومين للنظام الناصري آنذاك.
ومن هذه الاتصالات ما جرى بين مسؤول كبير ومدير أحد السجون رمزي، حيث يبلّغ الأول الثاني، بأن هناك حملة ترقيات للضباط الكبار، وأن واجب رمزي انتزاع الاعترافات من المعتقلين وأخذ تواقيعهم عليها بالقوة المفرطة، لكي يحظى بترقية جديدة.
يمارس رمزي أبشع أنواع التعذيب، ففي الفيلم عشرون مشهد تعذيب، سببت التحفظ مراراً على الفيلم قبل عرضه.
المحطة الرابعة من السخرية، الذهول المأساوي لجابر ومرزوق مما يحصل، لأنهما بريئان، فيصرخان؛ »احنا بتوع الأتوبيس».
والمضحك المبكي أن رمزي يؤول كلما يرويانه عما جرى في الأوتوبيس إلى أنهما كانا يوزعان المنشورات فيه.
كانت المحصلة توقيع جابر ومرزوق على اعترافات مُزورة، السخرية المريرة تكمن في أن رمزي هو الذي كان يملي على الكاتب التابع له الأسئلة والأجوبة.
يقف المشاهد أمام عقلية الجلاد عبد المعطي، الذي ينفذ أوامر التعذيب، فقد حُشي رأسه بأن هؤلاء أعداء الدولة والحكومة، وأنهم يجب أن ينالوا جزاءهم العادل.
وتلك إحدى المفارقات الصارخة.
أمران محزنان جعلا الأمور واضحةً للمعتقلين، وللجلاد، أولهما حدوث النكسة، ويظهر مشهد يبكي فيه جميع المعتقلين، مدركين أن الاعتقالات المجانية والقمع الوحشي من أسباب الهزيمة.
الثاني هو موت الشاعر الفنان محمود، إثر التعذيب وبسبب وقع الهزيمة عليه أيضاً.
الذروة الكبيرة في الفيلم حينما يجمع رمزي المعتقلين، يريد إجبارهم على توقيع ورقة على أن محمود حاول الهرب ولذلك قُتل.
كان أول الرافضين مرزوق وينضم إليه جابر، الذي تهجم على رمزي بعنف، والذي توّج التّمرد في السجن عبد المعطي حينما تأكد له كذب وافتراء رمزي، بشأن حادثة موت محمود.
ووجّه بندقيته إلى رمزي فأرداه قتيلاً.
أما السجانون الآخرون، فلحماية أنفسهم أطلقوا النار، لينتهي الفيلم باستشهاد جابر ومرزوق.
ما يصعّد الشجن في الفيلم، التعاطف الكبير للمشاهد مع المعتقلين الابرياء، الأغاني المرافقة للتايتل وللأحداث المأساوية، وهي من أشعار سيد مرسي وأداء سوزان عطية.
ولا تفوتنا عظمة الأداء التراجيدي والكوميدي معاً للفنان عادل إمام، وللنجم الراحل عبد المنعم مدبولي.
وقوع الأحداث عام 1966، وامتداد الوقائع الوحشية في المعتقلات إلى غاية حدوث نكسة 5 حزيران/يونيو 1967 يؤكد أن انكسار الجبهة الداخلية كان بفعل قمع الحريات وملء السجون بالمعتقلين والتعذيب الوحشي.
وهو فيلم ليس فيه افتراء على التجربة الناصرية، بل بُني على وقائع حقيقية لكنّها مريرة جداً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك