نجحت قوى اليسار في إقليم أندلوسيا الإسباني في تجاوز خلافاتها والتوصل إلى اتفاق يقضي بخوض الانتخابات الإقليمية المقررة في 17 مايو/أيار المقبل، ضمن ائتلاف موحّد يحمل اسم" بور أندلوسيا"، بقيادة السياسي الإسباني أنطونيو ماييو، المنسق العام لحزب" اليسار الموحد".
ويضم التحالف الجديد، كما أُعلن، سبعة مكونات سياسية، أبرزها حزب" اليسار الموحد"، وتجمع" سومار"، وحزب" بوديموس"، إلى جانب أحزاب أخرى ذات توجهات يسارية وبيئية وجمهورية محلية.
ويهدف هذا التكتل إلى توحيد الصفوف ومنع تشتت أصوات اليسار، الذي عانى في السنوات الماضية من انقسامات أضعفت حضوره الانتخابي.
ولم يكن الوصول إلى هذا الاتفاق سهلًا، إذ استمرت المفاوضات لأشهر وسط تباينات حادة بشأن توزيع القوائم الانتخابية وترتيب المرشحين.
ومع اقتراب انتهاء المهلة القانونية، تسارعت وتيرة الاجتماعات بشكل لافت، وانتهت بتسوية وُصفت بأنها" حل وسط" بين مختلف الأطراف.
وتمثلت أبرز نقاط الخلاف في مطالب حزب" بوديموس" بالحصول على مواقع متقدمة في القوائم التي تتمتع بفرص عالية للفوز.
إلا أن الصيغة النهائية منحت الحزب رئاسة قائمة محافظة خايين، إضافة إلى موقع متقدم في إشبيلية، وهما موقعان لا يُعدّان من الدوائر المضمونة انتخابيًا، ما أثار امتعاضًا داخل الحزب.
وفي بيان رسمي، عبّر حزب" بوديموس"، الذي تقوده السياسية الإسبانية إيوني بيلارا، عن عدم رضاه عن توزيع الحصص داخل التحالف، معتبرًا أنه لا يعكس وزنه السياسي الحقيقي.
لكنه أكد، في الوقت ذاته، قبوله بالاتفاق" بدافع المسؤولية"، مشيرًا إلى أن الأولوية يجب أن تكون لقضايا المواطنين، مثل الرعاية الصحية والسكن، بدلًا من الحسابات الحزبية.
كما شدد الحزب على أن موافقته ساهمت في تجنب سيناريو انقسام اليسار إلى ثلاث قوائم انتخابية، وهو ما كان سيؤدي إلى إضعاف فرصه أمام الأحزاب المنافسة.
ويعكس الاتفاق تغيرًا في موازين القوى داخل معسكر اليسار.
فحزب" بوديموس"، الذي كان يتمتع بثقل أكبر في السابق، دخل هذه المفاوضات من موقع أضعف نسبيًا، بعد تحقيق نتائج انتخابية محدودة في أقاليم أخرى.
في المقابل، عزز حزب" اليسار الموحد" موقعه داخل التحالف، إذ سيتولى قيادة القوائم في عدد من المحافظات الرئيسية، مثل إشبيلية ومالقة وقرطبة وغرناطة والمرية، بينما توزعت بقية القوائم بين الشركاء الآخرين، بما في ذلك" سومار" و" بوديموس".
ويمثل هذا التحالف محاولة جدية لإعادة ترتيب صفوف اليسار في إقليم أندلوسيا، لتفادي سيناريوهات سلبية باتت ماثلة في تجارب قريبة، وليس فقط من أجل تحسين نتائجه.
وقد أظهرت الانتخابات الإقليمية في مناطق مثل قشتالة وليون تراجعًا حادًا لقوى اليسار، إلى حد خروج بعضها فعليًا من البرلمانات المحلية أو تقلص تمثيلها إلى مستويات هامشية، في مقابل صعود واضح لليمين المتطرف، وخاصة حزب" فوكس"، الذي استطاع ترسيخ حضوره مستفيدًا من تشتت خصومه.
ويفسر هذا الواقع، إلى حد كبير، الإصرار على خوض الانتخابات بقائمة موحدة، إذ إن تكرار الانقسام قد يؤدي عمليًا إلى إهدار الأصوات بسبب النظام الانتخابي، ما يمنح أفضلية مباشرة للقوى اليمينية.
كما أن المخاوف لا تتعلق فقط بالخسارة العددية، بل بطبيعة المشروع السياسي الذي يمثله صعود اليمين المتشدد، خاصة في ملفات حساسة مثل الهجرة، والعلاقة مع العالم الإسلامي، والمواقف من قضايا دولية كالحرب في الشرق الأوسط، والإبادة الجارية في غزة.
وتزداد حساسية هذه المعادلة في إقليم أندلوسيا تحديدًا، باعتباره أحد الأقاليم الإسبانية التي تضم نسبة مهمة من المهاجرين، ومن بينهم جاليات مسلمة تُقدّر بعشرات الآلاف، يتركز جزء منها في مدن كإشبيلية ومالقة وألمرية.
لذلك، فإن أي صعود إضافي لخطاب متشدد قد تكون له تداعيات اجتماعية وسياسية تتجاوز حدود التنافس الحزبي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك