في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الساحل، ومع تصاعد التهديدات الأمنية على الحدود الجزائرية - المالية، تبرز الحاجة الملحّة إلى تفعيل الدور الجزائري كوسيط إقليمي، فالتطورات الأخيرة في شمال مالي، وعلى رأسها ظهور نشاط جبهة تحرير أزواد وتحالفها مع الجماعات المسلحة، لم تعد مجرد تحديات بعيدة، بل تحوّلت إلى تهديد مباشر للأمن القومي الجزائري، ما يجعل من الوساطة خيارا استراتيجيا لا غنى عنه لإعادة التوازن إلى المنطقة.
ويأتي مرور عام على حادثة إسقاط الطائرة المسيّرة المالية ليلة 31 مارس إلى 1 أبريل 2025 في منطقة تينزاواتين بإقليم كيدال، والتي تسببت في توتر غير مسبوق بين الجزائر ومالي، كفرصة لإعادة تقييم مسار العلاقات بين البلدين، وفقا لصحيفة لوموند الفرنسية.
ورغم ما أعقب الحادثة من تصعيد سياسيبما في ذلك لجوء باماكو إلى محكمة العدل الدولية في سبتمبر 2025، فإن تطورات الأشهر الأخيرة توحي بأن هذه الأزمة تتجه تدريجياً نحو الانفراج حسب تقرير نشره مؤخرا معهد الدراسات الأمنية، بما يفتح الباب أمام عودة الجزائر إلى لعب دورها التقليدي في الوساطة.
عقب الحادثة، دخلت العلاقات في مرحلة جمود حاد، تُوّج بسحب دول تحالف الساحل سفراءها من الجزائر، غير أن بداية عام 2026 حملت مؤشرات مغايرة، تعكس تحركا تدريجيا نحو إعادة بناء الثقة.
ومن أبرز هذه المؤشرات، قيام باماكو بخطوة ذات دلالة سياسية ناعمة، تمثلت في إرسال شخصية دينية مالية، الشيخ ألفا داهيان، في 21 يناير 2026، للمشاركة في مؤتمر الدبلوماسية الدينية في الساحل الأفريقي الذي احتضنته الجزائر، هذه الخطوة، رغم طابعها غير الرسمي، تعكس وجود قنوات تواصل قائمة، ورسائل تهدئة غير مباشرة بين الطرفين، وفقا للصحيفة الفرنسية.
بالتوازي، شهدت العلاقات بين الجزائر وكل من النيجر وبوركينا فاسو تحسنا ملحوظا، خاصة بعد زيارة رئيس النيجر عبد الرحمن تياني إلى الجزائر في 15 و16 فبراير 2026، وهي أول زيارة له خارج دول التحالف منذ وصوله إلى السلطة.
ووفق ما أوردته صحيفة «لوموند»، فإن هذه الزيارة لم تكن معزولة، بل تمت «بالتنسيق» مع رئيس المرحلة الانتقالية في مالي، أسيمي غويتا، الذي يُعتقد أنه كلف تياني بالمساهمة في تهدئة الأجواء مع الجزائر.
كما استبعد مراقبون أن يكون هذا التقارب قد تم دون موافقة باماكو، في ظل الانسجام السياسي الذي يميز دول التحالف، هذه المعطيات تشير بوضوح إلى أن مالي، رغم خطابها الرسمي المتحفظ، لا تعارض عودة قنوات التواصل مع الجزائر، بل ربما تمهد لها بشكل غير مباشر.
في المقابل، تواصل الجزائر إرسال إشارات إيجابية، فقد أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في أكثر من مناسبة أن بلاده أبدت حسن نية تجاه مالي، معبّراً عن أسفه لعدم ملاحظة رد مماثل، لكنه شدد في الوقت نفسه على عمق الروابط التاريخية بين البلدين.
كما صرّح وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف نوفمبر الفارط أن الجزائر تمد يد العون للأشقاء في مالي، مؤكدا امتلاكها صبرا لا ينضب في معالجة مثل هذا النوع من الأزمات الإقليمية.
ولم يكن هذا الموقف جديدا، إذ سبق للجزائر في 18 يوليو 2025 أن أعلنت استعدادها للعب دور الوساطة في شمال مالي، في خطوة تعكس تمسكها بدورها في منطقة الساحل.
تعقّد الوضع الأمني في شمال مالياليوم، ومع تعقّد الوضع الأمني في شمال مالي، تبرز الحاجة مجددا إلى وسيط موثوق، فمنطقة الساحل تشهد تصاعدا في نشاط جبهة تحرير أزواد، التي لم تعد مجرد حركة تمرد محلية، بل تحولت إلى فاعل مسلح يمتلك قدرات متطورة، من بينها تكنولوجيا الطائرات المسيرة، ما يمنحها قدرة نوعية على تنفيذ عمليات دقيقة، ويطرح تحديات أمنية غير مسبوقة في المنطقة.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ باتت هذه الجبهة تُظهر طموحات توسعية تتجاوز حدود شمال مالي، من خلال الترويج لمشروع دولة أزواد الكبرى، الذي يشمل مناطق من جنوب الجزائر، وهو ما يرفع من مستوى التهديد المباشر للأمن القومي الجزائري.
وفي سياق مواز، برز تطور لافت داخل الجزائر نفسها، مع الإعلان في ولاية عين قزام عن تأسيس حركة انفصالية جديدة تحت اسم الطوارق الأحرار، بقيادة أغ أميد الإيموهاغي، والتي دعت صراحة إلى انسحاب الجزائر من الجنوب، واعتبرت المنطقة جزءا من مشروع ما يسمي بـ أزواد الكبرى.
هذا التزامن بين الحراك المسلح في شمال مالي وظهور خطاب انفصالي داخلي، يعزز فرضية وجود امتدادات عابرة للحدود لمشروع واحد.
أمام هذه المعطيات، يرى خبراء أمنيون أنه لم يعد استقرار شمال مالي مسألة خارجية بالنسبة للجزائر، و أصبح مرتبطا بشكل مباشر بأمنها الداخلي.
ومن هنا، تبرز الوساطة ليس فقط كخيار دبلوماسي، بل كأداة استراتيجية لاحتواء التهديدات، ومنع تحول الأزمة إلى واقع جيوسياسي أكثر تعقيدا على حدودها الجنوبية.
وبحسب مراقبين فإن تزامن عدة عوامل منها التحسن في العلاقات مع النيجر وبوركينا فاسو، ووجود تنسيق غير مباشر مع مالي، وعودة قنوات التواصل الرمزية مثل المشاركة الدينية يجعل من المرحلة الحالية فرصة حقيقية لإعادة إطلاق مسار الوساطة، وفقا لصحيفة لوموند الفرنسية.
واختتمت الصحيفة تقريرها: «الجزائر، التي نجحت تاريخيا في لعب هذا الدور خلال أزمات 1991 و2006 و2012، تمتلك اليوم من الخبرة والشرعية ما يؤهلها لاستعادة هذا الموقع، وبعد عام من حادثة تينزاواتين، لم تعد الأزمة عنوان المرحلة، بل ما يبرز اليوم هو مسار بطيء لكنه واضح نحو التهدئة وقد لا تكون الخطوات المعلنة كبيرة، لكنها في السياسة كثيراً ما تبدأ بإشارات صغيرة تحمل دلالات عميقة.
وبين الدبلوماسية الرسمية والقنوات غير المباشرة، تبدو الجزائر أمام فرصة جدية للعودة إلى دورها كوسيط في منطقة الساحل، وهو دور لم يعد خيارا فقط، بل ضرورة تفرضها تطورات الميدان وحسابات الجغرافيا السياسية».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك