«إما العقل والتنوير، وإما الجهل والعبودية» لا مجال للشك في الوجود العربي المنهار والنائم في أحضان الاستبداد والطاعة العمياء إلى درجة أنه تحول إلى ليل تبدو فيه جميع الأبقار سوداء، ولذلك فإن العقل بما هو ملكة للمعرفة والنقد، ظهر واختفى كوميض مشع في الاغتراب، هكذا حكم على الإنسان بالاغتراب والاستلاب، فبات من الضروري صياغة سؤال الوجود الانساني في هذا الظلام هل هو حيوان عاقل؟ أم مجرد حيوان مفترس لنوعه؟ وكيف هي حالة الإنسان العربي من دون عقل؟تبدو هذه الأسئلة حمقاء في عالم حطمته الطاعة القمعية والهيمنة الدينية، التي تحولت إلى أغلال تمنعه من الحرية والكرامة، ولم يعد أمامه سوى الخضوع لجدلية العبد والسيد، حيث أن العبد مجرد آلة متنفسة يتم استغلالها من قبل السيد الطاغية الذي لا يرحم، يقوم بحرمان العبد من العقل والحق في الحق.
ثمة مفارقة غريبة تجعل من الحياة، باعتبارها عقلا ووعيا ذاتيا، عبارة عن عدم وموت مؤجل، وعوض ان تصبح معرفة صارت جهلا.
ولعل هذا بالذات ما حكم على الوعي بالسجن في الضياع، مكبلا بالاشياء، ويحقق رغبات السيد، بذلك يتأكد السيد أنه حصل على اعتراف به، وهذا مطلب جوهري، من أجل تحقيق الوعي بالذات، أما العبد فسيضع نفسه في خدمة العبودية يتمتع بحرية تنام في الاغتراب، إنها مجرد أغلال، وعيا مطويا على نفسه، مكبوتا، شعاره الخوف من السيد، علاقة سالبة، استلاب واغتراب عن الذات، إنها الخسارة العظمى.
ومهما يكن من أمر، فإن العقل لا يوجد إلا في الشعب الحر، الذي حقق الحرية والوعي الذاتي بوصفه عقلا يمزق الحجاب عن الحقيقة، عندما يخترق الواقع، وباختصار فإن ما يخسره العبد هو الأغلال، وما يربحه هو الحرية والكرامة ومتعة الوعي بالذات، لأن الحياة بوصفها انتقالا من الوعي الذاتي إلى العقل، هدفها الحرية والكرامة والعدالة، فلا وجود للإنسانية من دون هذه الثلاثية.
فبنية الإنسان جدلية، كما جاء في العقل والثورة، فالعقل هو اليقين بأنه كل الواقع، والواقع هو الثورة على العبودية، ولذلك فإن العقل لا يكون كل الواقع إلا إذا صار هذا الواقع ثورة على الطاعة، حيث يصبح كل ما هو واقعي عقلي، وكل ما هو عقلي واقعي.
نتساءل هل نجحت فلسفة الوعي في تحرير الإنسان من العبودية وهدم مفهوم الاستلاب، وجعل الإنسان سيد نفسه وموجود في العالم ليس بمعنى وجود مكاني، كما هو الحال بالنسبة للعربي المقهور، بل توجد علاقة حميمية بينه وبين العالم، ومن المستحيل ان نتصور إنسانا من دون عالم، أو عالما من دون إنسان.
هذه العلاقة الوجودية هي التي نفتقدها في هذا الفضاء الشقي، فالعالم هو ذلك المجال الذي نحن مندمجون فيه منذ الولادة إلى النهاية، بجميع ما يحيط بنا من موضوعات حضارية وثقافية وتاريخية.
وإذا أردنا أن نفهم العالم العربي على حقيقته، فلا بد أن نتذكر بأنه مجرد مفهوم اخترعه الاستعمار، وظل من دون هوية إلا اللغة والدين، أما الوجود والزمان، أو الأنطولوجيا فقد أمست دعامة ميتة لا تسمح بفهم الوجود البشري الذي يتمتع بالمجهول، انطلاقا من كينونته، يعجز عن التمييز بين الوجود والأشياء الموجودة ما دام أنه مجرد من العقل.
وبما ان علاقة الذات بالموضوع ليست جوهرية، بل صفة للإنسان والشيء.
كذا يتم تشييء الإنسان، فيمضي وجوده خارج الأنطولوجيا، ما يحرمه من الوعي ولا يمكن أن يهتم بوجوده، أو أن يتساءل عن مصيره، وبالأحرى حريته.
القلق هو مصدر التساؤل، والتساؤل هو جوهر المعرفة بيد أن الكينونة البشرية هنا والآن مقهورة ولا يسمح لها بالتساؤل، بل بالطاعة، وما دامت لا تملك الشجاعة على استعمال العقل، فمن المستحيل أن تستعمل العقل، أو أن تقتحم عالم التنوير، باعتباره بناء أنطولوجيا للموجودات الحرة التي تتوفر على الإرادة الحرة.
الوعي التاريخي تأخر ولم يعد ممكنا الانتقال من التنوير إلى الثورة على الطغاة، الذين يوزعون الوعي الشقي بواسطة فقهاء الظلام أعداء الحرية والحياة وتجار خداع الجماهير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك