يُقال إن الحرب امتداد للسياسة، وبما أن السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة، فإن الحرب تُعدّ تبعًا لذلك امتدادًا للاقتصاد أيضًا.
ونظرًا لأن العلاقة بين هذه المفاهيم الثلاثة جدلية وتتسم بالشد والجذب، فهي أيضًا متداخلة لدرجة يصعب معها رسم حدود فاصلة وواضحة بينها.
من هنا، يمكننا الاستنتاج أن ما يجري في الشرق الأوسط، والصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، ما هو إلا انعكاس لهذا التداخل بين الحرب والسياسة والاقتصاد.
هذا يقودنا إلى طرح سؤال جوهري حول الوضع الراهن، إذ إن الإجابة عليه تمثل خارطة طريق لمستقبل الصراع وأساسًا لتحليل ويلات الحرب التي ألمت بالمنطقة، والسؤال هو: ما الغاية من المعارك الدائرة منذ 28 شباط (فبراير) 2016؟ هل الغاية هي تغيير النظام السياسي في إيران أم تغيير سلوكه؟ كما نتساءل حول نطاق الغاية من الصراع، فهل يقتصر على النظام السياسي الإيراني، أم أنه أوسع ليشمل دول الخليج والمنطقة بأسرها، أم أنه يمثل وجهًا آخر لنظام دولي جديد بدأ يكشف عن نفسه للتو؟بدايةً، يجب أن نقرّ مجموعة من الحقائق الراسخة، فالمقارنة بين قدرات وإمكانات طرفي الصراع غير ممكنة، فالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تملكان قدرات وإمكانات اقتصادية وعسكرية واستخباراتية وتكنولوجية تفوق بكثير ما تملكه إيران.
كما أن هاتين الدولتين لديهما قدرة أعلى على تحويل عناصر القوة إلى تأثير فعّال في مسار الصراع مقارنة بالجمهورية الإيرانية.
لو كانت الغاية هي تغيير النظام، لكان الأمر مجرد مسألة وقت، خاصةً في ظل المعاناة التي يعيشها الشعب الإيراني بسبب الحصار والعقوبات الاقتصادية التي فرضتها الإدارة الأميركية لسنوات طويلة.
ولو كانت الغاية تغيير النظام، لأعلنت عنها الدولتان المتفوقتان على إيران، فهل هناك قوة تمنعهما في ظل فرضهما قواعد جديدة للأعراف الدولية القائمة على القوة الصلبة؟ نلاحظ أن معظم تصريحات رئيس الولايات المتحدة الأميركية منذ اندلاع المعارك تدور حول" تعظيم" الولايات المتحدة، وتحاول إسرائيل من خلال أنشطتها بث رسالة مفادها" القدرات الخارقة" لمؤسساتها العسكرية والاستخباراتية.
وبالرغم من ذلك، لم تعلن الدولتان عن مشروع تغيير النظام، ليس لكونه هدفًا سريًا، بل لأنه غائب تمامًا عن مخطط الصراع.
إن تغيير سلوك النظام السياسي الإيراني يظل هدفًا جوهريًا ومحوريًا للعمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية ضده، لأن هذا الهدف هو الأقرب إلى التحقيق.
يرجع السبب في ذلك إلى أن أي تغيير جذري في الأنظمة السياسية يتطلب عرض بدائل واضحة، وهو ما لا يتوفر عند محاولة تغيير النظام برمته.
لذلك، يُعد تعديل سلوك النظام القائم عبر استهداف أسسه ومبادئه هو الخيار الأجدر.
والدليل الأفضل على ذلك هو بقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة طوال فترة الصراع، بل وتزايدت هذه القنوات وتفرعت مع تصاعد حدته، وظهرت عناصر دبلوماسية جديدة.
فعلى سبيل المثال، إن اجتماع وزراء خارجية الدول الأربع، باكستان، والسعودية، وتركيا، ومصر، بالرغم من كونه بادرة لحل الإشكاليات العالقة بالطرق السلمية والدبلوماسية، إلا أنه يشير إلى اتساع الصراع أفقيًا بالتزامن مع اتساعه عموديًا.
فلا تزال هناك آليات وقنوات دبلوماسية وعسكرية لم تستخدمها الأطراف المتصارعة، ويتم التلويح بها من وقت إلى آخر.
ومن أبرز هذه الوسائل إشراك اليمن، ممثلًا في أنصار الله الحوثيين، في الصراع، مما قد يؤدي إلى إغلاق الممر المائي العابر من البحر الأحمر إلى أوروبا، وبالتالي تضرر جميع الدول المطلة على طرفي البحر الأحمر.
بعد عرض هذه الدلائل على غايات المعارك الحالية وعدم استنفاد وسائل الضغط والتهديد، يبقى سؤال آخر مرتبطًا بالسلوك السياسي للنظام الإيراني: سياسة الدولة، مهما كانت، لها مستويان من السلوكيات، الداخلي والخارجي.
فهل الغاية هي تغيير السلوك الداخلي للعملية السياسية للنظام الإيراني، أم تنحصر غاية التصعيد في تغيير سلوكه الخارجي؟إن تتبع التصريحات التي صدرت عقب الهجمات العسكرية على إيران، ووجود قنوات دبلوماسية بين طرفي النزاع، وما يُتداول حول المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، العلنية أو السرية بينهما، بالإضافة إلى النقاط التي أعلنتها الولايات المتحدة كمطالب لبدء التفاوض مع الجانب الإيراني، يؤكد أن الهدف الأساسي هو تغيير السلوك الخارجي للنظام السياسي الإيراني.
أما السلوك الداخلي للنظام، فيُعتبر شأنًا داخليًا لا ينبغي للطرف الآخر التدخل فيه.
بل إن الجانب الأميركي يستخدم الاحتجاجات الداخلية، إن صح هذا الوصف، كوسيلة لإجبار الطرف المقابل على تعديل سلوكه الخارجي.
ومن هذه النقطة تحديدًا، يتضح مدى براغماتية الجانب الأميركي في استخدام جميع الوسائل المتاحة لديه لتحقيق استراتيجيته الوحيدة: المصلحة العليا للولايات المتحدة الأميركية.
ولكن لماذا نركز على تغيير سلوك النظام بدلًا من تغيير النظام نفسه؟ لقد أثبتت الأحداث التي مر بها العالم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وأنماط التغيير التي شهدتها مجموعة من الدول، أن التغييرات التي طالت الأنظمة الشمولية غالبًا ما تُولِّد قوى شمولية متعددة داخل تلك الدول، مما يؤدي إلى تصاعد الانفلات الأمني والتهديد العسكري، ليس على المستوى الداخلي فحسب، بل على المستويين الإقليمي والدولي أيضًا.
وقد أثبتت تجارب عدة فشلها في مساعيها لبناء دولة المواطن، ومنها أفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، والسودان.
ويتمثل الجانب الآخر لهذا الفشل في سقوط النموذج الديمقراطي الأميركي، وهو النموذج الذي دعت إليه الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
لذلك يُقال إن من نتائج هذه المرحلة ظهور نظام دولي جديد لا تحتل فيه الولايات المتحدة الأميركية ونموذج حكمها موقع الصدارة الذي كانت عليه في نهاية القرن العشرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك