بقلم: الدكتور محمد الرميحيليست رواية «حفلة التيس» لماريو بارغاس يوسا مجرد حكاية عن ديكتاتور كاريبي انتهت باغتياله، بل هي نموذج كاشف عن كيفية تشكّل الاستبداد، وكيفية التسلّل إلى مفاصل الدولة والمجتمع، ثم كيفية تركه فراغاً أخطر من وجوده.
وعند قراءة تلك الرواية الرائعة على ضوء التجربة العراقية القائمة، قبل سقوط صدام حسين وبعده، تتبدّى مفارقة لافتة، من استبداد فرديّ مطلق إلى هشاشة دولة مفتوحة على استبدادات متعدّدة.
وفي الأسابيع الأخيرة، استدُعي القائم بالأعمال العراقي في الكويت مرتين إلى وزراة الخارجية الكويتية، وفي كلّ مرة يسلَّم مذكّرة احتجاج للحكومة العراقية بسبب اعتداء مسلّحين بالطائرات المسيرة والصواريخ من الأرض العراقية على الكويت، من دون سبب أو ذريعة! ومن دون استجابة تذكر.
في عهد صدام حسين، كان الأمر واضحاً ومحدداً.
السلطة متمركزة في شخص واحد، والدولة بكل أجهزتها تدور في فلكه.
الخوف كان منظماً، ومؤسسات القمع تعمل بكفاءة، والولاء يُشترى أو يُفرض بالرصاص.
يشبه ذلك إلى حد بعيد صورة تروخيو في الرواية، رجل يرى نفسه الدولة، ويعتقد أن بقاءه شرط لبقاء الوطن.
في هذا النموذج، تكون القسوة صريحة، والعدو معروف، والقرار مركزي، حتى وإن كان مدمراً.
لكن ما بعد 2003 في العراق لم يكن خروجاً من «حفلة التيس»، بل انتقالاً إلى حفلة أكثر تعقيداً.
لم يعد هناك «تروخيو» واحد في العراق، بل نسخ متعدّدة منه، تتقاسم النفوذ، تحت عناوين طائفية وسياسية، ومناطقية، وتتنازع على الدولة حتى أفرغتها من مضمونها، وألحقتها بدولة أخرى هي إيران.
هنا تكمن المفارقة؛ سقط الاستبداد، لكن لم تولد الدولة، بل وُلد فراغ ملأته جماعات مسلحة وأحزاب مؤدلجة، ليس لها علاقة بمصلحة العراق أو العراقيين.
في رواية يوسا، يبيّن الكاتب أن الطغيان لا يقوم على الفرد فقط، بل على شبكة من المتواطئين.
وهذا ما يتكرّر في الحالة العراقية، لكن بصورة معكوسة.
في زمن صدام، كان التواطؤ لضمان البقاء داخل نظام مغلق، أما بعده، فأصبح التواطؤ وسيلة للاستحواذ على الدولة والثروة والسلطة وتقاسمها.
لم يعد الخوف وحده هو الحاكم، بل دخلت معه الغنيمة، والابتزاز والعمالة.
العنصر الأكثر خطورة في المقارنة هو تحول فكرة الدولة نفسها - في «حفلة التيس» - إلى لا دولة.
فرغم بطش النظام، كانت هناك دولة متماسكة شكلياً، وسلطة مركزية.
أما في العراق اليوم، فالدولة تبدو كهيكل هش، تتنازعه ولاءات متضاربة، جهوية، طائفية، عرقية ومرتهنة إلى الجوار وما يفرضه هذا الجوار، ما فتح الباب أمام النفوذ الإيراني، الذي لم يدخل فقط عبر السياسة، بل عبر الإيديولوجيا والاقتصاد، والابتزاز، وتحوّل العراق إلى ساحة مفتوحة لكل العصابات بما فيها إرسال الصواريخ إلى الجيران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك