قام الرئيس الأوكراني فولودمير زيلينسكي بزيارة تاريخية إلى دمشق يوم الأحد، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع وشارك في محادثات ثلاثية مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
تمثل الزيارة خطوة استراتيجية لأوكرانيا لتعزيز نفوذها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، من خلال تقديم خبراتها العسكرية في مجال الدفاع الجوي والمعدات الدفاعية، بالإضافة إلى تطوير شراكات في الأمن والطاقة والغذاء والبنية التحتية.
تأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه سوريا الجديدة إلى إعادة بناء البلاد والحد من اعتمادها التقليدي على روسيا، ما يضع أوكرانيا في قلب إعادة رسم التوازن الإقليمي.
يقدم موقع تلفزيون سوريا ترجمة هذا التحليل الذي نشرته منصة إخبارية بلجيكية ضمن سعيه لرصد أي تحليل يتصل بواقع سوريا خلال مرحلتها الانتقالية ضمن متغيرات المنطقة والمرحلة، من دون أن يعتبر ذلك تبنياً لرأي المنصة، أو تماهياً مع موقفها تجاه ما يجري في الشرق الأوسط.
وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذا التحليل:قام الرئيس الأوكراني، فولودمير زيلينسكي بأول زيارة تاريخية له إلى دمشق يوم الأحد، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع، وشارك في المحادثات الثلاثية برفقة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان.
وتعتبر تلك الزيارة خطوة مهمة ضمن سعي كييف لمد نفوذها الدبلوماسي في الشرق الأوسط، حيث نشطت أوكرانيا في مجال تسويق خبراتها العسكرية المجربة في الميدان والتي تتمثل بالمعدات الدفاعية كالمسيرات والصواريخ، إلى جانب إقامة شراكات جديدة مع دول المنطقة في مجال الأمن والغذاء والطاقة والبنية التحتية.
تأتي تلك الزيارة في لحظة مفصلية سعت خلالها القيادة الجديدة لسوريا التي وصلت لسدة الحكم بعد سقوط بشار الأسد في أواخر عام 2024، لإعادة بناء البلد، والحد من اعتماد سوريا الكبير على روسيا التي تحتفظ منذ أمد بعيد بقاعدتين عسكريتين كبيرتين على الأراضي السورية (في كل من طرطوس وحميميم).
فقد أعلن الشرع عن خطط جديدة يتم من خلالها استخدام هاتين القاعدتين لتدريب الجيش السوري الجديد.
كما أن حضور زيلينسكي إلى دمشق يتحدى وبشكل مباشر النفوذ الروسي الذي تغلغل لفترة طويلة في هذا البلد الذي كان في الماضي موطئ قدم لروسيا.
تعاون أمني يحتل قلب المحادثاتخلال الاجتماع، اتفقت سوريا مع أوكرانيا على تعميق علاقات الأمن والدفاع، فأكد زيلينسكي على الخبرة العميقة التي اكتسبتها أوكرانيا في مقارعة وابل المسيرات والصواريخ الروسية على مدار أربع سنوات، تلك الخبرة التي زاد عليها الطلب اليوم في عموم منطقة الشرق الأوسط، في ظل استمرار الصراع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران ووكلائها من جهة أخرى.
وفي تعليق له على الزيارة، كتب زيلينسكي على حسابه في تيليغرام: " اتفقنا على التعاون معاً في توفير مزيد من الأمن والفرص لتطوير مجتمعاتنا"، وأضاف أن الرئيسين تناقشا حول: " كل شيء، بدءاً من القضايا الأمنية والدفاعية، مروراً بالأوضاع في المنطقة بسبب الأحداث المتعلقة بإيران، وصولاً إلى التعاون في مجال الطاقة والبنية التحتية بين البلدين".
في حين وصف وزير الخارجية الأوكراني، أندري سيبيا، تلك الزيارة بأنها: " فارقة" وتحدث عن محادثات أخرى تتصل بالتجارة البحرية.
أكدت المحادثات الثلاثية مع وزير الخارجية التركي فيدان دور أنقرة المحوري في ترسيخ الاستقرار بسوريا، كما سلطت الضوء على المصالح المشتركة بين كييف ودمشق وأنقرة ودورها في الحد من نفوذ القوى الخارجية، وعلى رأسها روسيا.
كانت دمشق آخر وجهة لزيلينسكي في جولته الشرق أوسطية، إذ زار خلال الأسابيع الماضية، السعودية وقطر والإمارات، ووقع اتفاقيات تعاون عسكري طويلة الأمد مع تلك الدول، كما أجرى محادثات أمنية في تركيا مع الرئيس رجب طيب أردوغان.
وكان الخيط المشترك في كل تلك المحادثات هو استعراض ما توصلت إليه أوكرانيا من علوم ومعارف في مجال اعتراض المسيرات والدفاعات الجوية بكلفة مخفضة، بعد أن أثبتت تلك الحلول نجاعتها أمام التكتيكات الروسية، كما أن هذه المعارف والخبرات ليست باهظة الثمن كالنظم الغربية (مثل صواريخ باتريوت) التي استنزفت في الصراع الحالي مع إيران.
كما قدمت كييف نفسها بوصفها جهة موثوقة في مجال توريد الأغذية، بما أن أوكرانيا تعتبر من أهم الدول المصدرة للحبوب، وهذا ما رسخ مكانتها في مجال التصدي للمخاوف الإقليمية بالنسبة للأمن الغذائي، وهذه الأمور تتوسع خارج نطاق الاحتياجات الفورية في زمن الحرب، كونها تعبر عن استراتيجية مدروسة تعمل على بناء شراكات اقتصادية واستراتيجية دائمة في منطقة تشهد تغيرات سريعة.
مثلت تلك الزيارة بالنسبة لموسكو نكسة واضحة، فقد كانت روسيا أهم داعم للأسد على مدار عقود، ولهذا استغلت سوريا كنقطة انطلاق مهمة لقواتها البحرية والجوية على البحر المتوسط.
إلا أن العملية الانتقالية التي حدثت في سوريا بعد الأسد أضعفت هذا الموقف، كما سرع التعاون الأوكراني السريع مع السلطات السورية الجديدة من عملية التقويض هذه، إذ عبر تقديم التعاون الأمني والدعم في مجال إعادة الإعمار، تسهم كييف في تنويع مصادر دمشق بعيداً عن الدولة التي كانت ترعاها في السابق، وفي ذلك نوع من الضغط الدبلوماسي الذي تسعى أوكرانيا لممارسته في كل مكان يمتد النفوذ الروسي إليه.
من جانب آخر، يخبرنا محللون عن عجز روسيا عن تقديم مساعدة كبيرة لحليفتها إيران خلال التصعيد الحالي في الشرق الأوسط، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على استنزاف موارد موسكو التي انصرفت للحرب في أوكرانيا وانشغلت بذلك إلى أبعد حد.
ملء الفراغ الذي خلفه انشغال الولايات المتحدة بالصراعيبدو بأن أوكرانيا تستفيد من خلال نشاطها هذا من التراجع الملحوظ في المصداقية الأميركية وقدرتها على التحرك في المنطقة.
فمع انشغال واشنطن بشكل كبير في الصراع مع إيران، وسعيها لإعادة تموضعها استراتيجياً في ظل الإدارة الجديدة، انحسر النفوذ الدبلوماسي الأميركي التقليدي في بعض النواحي، فتحركت كييف بسرعة لملء هذا الحيز، وقدمت نفسها كشريك براغماتي صقلته المعارك، ناهيك عن أن هموم المنطقة لا تثقل كاهله.
أبدت دول الخليج وغيرها من دول المنطقة التي تتعرض لتهديد بالمسيرات والصواريخ الإيرانية" اهتماماً كبيراً" بالأساليب الأوكرانية التي تمخضت عن نتائج لا تكلف إلا نسبة بسيطة من كلفة النظم التي تقدمها الولايات المتحدة.
وفي الوقت ذاته، فإن تشديد أوكرانيا على الأمن الغذائي وعلى مشاريع البنية التحتية يعجب تلك الحكومات التي تركز على إعادة الإعمار بعد النزاع وعلى الاستقرار الاقتصادي، بعد أن انصرف الاهتمام الأميركي عن هذين المجالين.
لا يمثل هذا التوجه انتهازية عشوائية أتت بالصدفة، بل جزءاً من سياسة متماسكة تقوم على تحويل أوكرانيا لابتكاراتها في زمن الحرب إلى نفوذ دبلوماسي، مع السعي لإقامة تحالفات جديدة تدعم جهودها الحربية وتوسع في الوقت نفسه نفوذها بعيداً عن أوروبا.
ألمحت زيارة زيلينسكي لدمشق إلى أن السياسة الخارجية الأوكرانية لم تعد تقتصر على الساحة الأوروبية الغربية، إذ عبر إقامة علاقات مع الحكومة السورية الجديدة، ومع دول فاعلة مهمة مثل تركيا، أخذت أوكرانيا تعيد رسم التوازن الإقليمي، وتقوض ما بقي من نفوذ روسي، مع استغلال الفراغ الحاصل بسبب تغير الأولويات بالنسبة للولايات المتحدة.
وهنا ما علينا إلا أن ننتظر حتى نرى إن كانت هذه العلاقات ستتمخض عن عقود عسكرية ملموسة، أو صفقات لإعادة الإعمار، أو شراكات دائمة حقيقية في مجال الأمن الغذائي، إلا أن الرسالة الموجهة هنا واضحة وضوح الشمس: ففي الشرق الأوسط المثقل بالصراعات والتحولات، بدأت أوكرانيا تقدم نفسها كطرف فاعل لا يمكن الاستغناء عنه، سواء بشكل مباشر على حساب روسيا، وكذلك ضمن الحيز الذي ظهر بسبب انحسار الدور الذي قررت أميركا أن تلعبه في المنطقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك