نواكشوط –«لقدس العربي»: من شبه المجمع عليه اليوم أن تحضيرات الحوار السياسي الموريتاني أصبح متعثرا في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها حسابات الداخل مع رهانات الاستقرار،فقد وجد مشروع الحوار الوطني في موريتانيا نفسه أمام اختبار حقيقي: فبينما كان يُفترض أن يشكل هذا المسار منصة لتقريب وجهات النظر وبناء توافقات جديدة، عادت قضية تضمين «المأموريات» في أجندة التشاور لتطفو على السطح، لا كملف دستوري فحسب، بل كعامل توتر يعيد ترتيب أولويات الفاعلين ويثير الشكوك حول جدية المسار برمّته.
وبين دعوات التهدئة ومحاولات إعادة ضبط الأجندة، يتسع الجدل حول ما إذا كان الحوار يسير نحو انفراج مرتقب، أم أنه عالق في دوامة الحسابات السياسية الضيقة.
فلم يكد مسار الحوار السياسي في موريتانيا يلتقط أنفاسه بعد أشهر من التحضير، حتى عاد مجددًا إلى مربع التوتر، مع بروز خلاف جوهري حول إدراج ملف «المأموريات الرئاسية» ضمن جدول الأعمال.
وفي مسعى واضح لإنقاذ مسار الحوار من التعثر، طرح المنسق موسى فال مقاربة جديدة قال إنه تدارسها مع «الجهات العليا» تقوم على إعادة صياغة الأجندة بشكل أكثر حذرًا وتوازنًا، عبر تنقية مضامينها من العبارات الحساسة والقضايا التي قد تُفهم على أنها مداخل لتمرير أجندات سياسية مثيرة للجدل.
ويأتي في مقدمة هذه القضايا ملف «المأموريات»، الذي بات يثير مخاوف متصاعدة لدى أطراف سياسية ترى في إدراجه، ولو بشكل غير مباشر، احتمال فتح الباب أمام تأويلات توحي بإمكانية تمهيد الطريق لمأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، على غرار ما شهدته بعض الدول الإفريقية مثل ساحل العاج والكاميرون، حيث أثارت تعديلات دستورية أو تأويلات سياسية جدلًا واسعًا حول استمرار الرؤساء في الحكم.
وتقوم الصيغة المقترحة على حذف تفاصيل البند المثير للجدل، والاكتفاء بإدراج النقاط التي تحظى بتوافق واضح بين مختلف الأطراف، بما يضمن الحد الأدنى من الانسجام داخل وثيقة الحوار، ويُجنبها الوقوع في فخ الاستقطاب الحاد، كما تتضمن المقاربة إسقاط كل المقترحات التي لم تنل إجماعًا أو شبه إجماع، في محاولة لتحويل الحوار من ساحة لتصفية الخلافات إلى منصة لبناء المشترك السياسي.
ويراهن المنسق من خلال هذه الخطوة على امتصاص حالة التوجس التي تخيم على جزء من الطيف السياسي، وإعادة توجيه النقاش نحو القضايا ذات الأولوية، بعيدًا عن الملفات التي قد تفجر الحوار من داخله.
غير أن نجاح هذه المقاربة يظل مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، وقبول مبدأ «نعمل بما يمكن الاتفاق عليه الآن» بدل الإصرار على حسم جميع القضايا دفعة واحدة، في سياق إقليمي باتت فيه مسألة تداول السلطة واحترام المقتضيات الدستورية من أبرز محددات الاستقرار السياسي.
هذا وحمل اجتماع الإثنين مؤشرًا على محاولة لتجاوز هذا الانسداد، حيث أبلغ المنسق رؤساء الأقطاب السياسية بموافقة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني على مقترح بديل يهدف إلى نزع فتيل الأزمة.
ويقوم هذا المقترح على الإبقاء على العنوان العام للحوار تحت مسمى «الإصلاح الديمقراطي وسيادة القانون»، مع اعتماد «الإصلاح الانتخابي» كعنوان فرعي، مقابل حذف التفاصيل المثيرة للجدل التي دفعت بها الأغلبية.
ويحمل هذا التعديل، وإن بدا تقنيًا، محاولة سياسية لتفادي تفجير الحوار قبل انطلاقه، عبر إرجاء النقاط الخلافية الكبرى أو إعادة صياغتها بشكل أقل استفزازًا.
غير أن تضارب الروايات حول ما إذا كانت الأغلبية طلبت مهلة للتشاور، أو أعلنت موقفها النهائي، يعكس استمرار حالة عدم الثقة بين الأطراف.
وبين تمسك الأغلبية بمقترحها، ورفض المعارضة لهذا الطرح، ومحاولات الرئاسة إعادة ضبط الإيقاع، يبدو أن الحوار المرتقب يواجه اختبارًا حقيقيًا قد يؤدي إلى توقيفه.
وفي قلب هذا الجدل، برز تصريح عضو الوفد الممثل للأغلبية في الحوار، المدير ولد بونه، الذي نفى بشكل قاطع أن يكون قطب الموالاة قد طلب مهلة للتشاور بشأن المقترح الذي قدمه منسق الحوار موسى فال.
وأكد أن الأغلبية «متمسكة بمقترحها» كما ورد في وثيقتها، مشددًا على أن الاجتماع المسائي بيت الأطراف والمنسق الوطني، كان مبرمجًا سلفًا ولا علاقة له بأي تطور جديد في النقاش.
وقد عكس هذا الموقف إصرار الأغلبية على إبقاء ملف المأموريات حاضرًا في طاولة الحوار رغم ما أثاره من حساسية سياسية كبيرة، باعتباره يمس مواد دستورية محصّنة ترتبط بالتناوب على السلطة؛ وهو ما تعتبره المعارضة «خطًا أحمر»، وترى في طرحه محاولة لإعادة فتح نقاش حُسم دستوريًا، بما قد يهدد التوازنات السياسية القائمة.
وكانت الجلسة التمهيدية للحوار قد علّقت الأسبوع الماضي بعد احتدام النقاش حول النقطة نفسها، ما اضطر الرئيس الغزواني إلى التدخل شخصيًا عبر سلسلة لقاءات مع قادة المعارضة، سواء داخل مؤسسة المعارضة الديمقراطية أو ضمن ائتلافاتها المختلفة.
وخلال تلك اللقاءات، شدد الرئيس على أن الحوار «ليس حواره الشخصي»، بل هو مسار وطني مفتوح لكل من يسعى إلى مصلحة البلد، في محاولة لطمأنة خصومه السياسيين وتبديد المخاوف من وجود أجندة خفية.
التشكيك في ملاءمة الأجواءلكن هذه المساعي الرئاسية تصطدم بخطاب معارض أكثر تشددًا، يرى أن البيئة السياسية الحالية لا توفر الحد الأدنى من شروط حوار جاد.
وفي هذا السياق، جاء موقف النائب ورئيس حركة «إيرا» بيرام الداه اعبيد، الذي اعتبر أن «جو البلد الحالي جو توتر، وليس جو حوار»، متسائلًا عن جدوى الدخول في مسار تشاوري في ظل ما وصفه بتغوّل السلطة وتراجع الحريات.
وذهب ولد اعبيد لأبعد من ذلك، حين اعتبر أن المعارضة لم تُستقبل بانفراج سياسي، بل بتقليص مكتسباتها، مشيرًا إلى أن النقاش حول المأموريات يعيد طرح مسألة محصّنة دستوريًا، ويجعل المعارضة في موقع الدفاع عما تبقى من مكاسب سابقة بدل التفاوض على إصلاحات جديدة.
كما انتقد بشدة ما وصفه بـ «القمع المفرط» للاحتجاجات الأخيرة، ومنع بعض الأحزاب من الترخيص للتظاهر، معتبرًا أن هذه الممارسات تقوّض الثقة وتضعف مصداقية أي دعوة للحوار.
ويكشف هذا التباين الحاد في المواقف أن الأزمة الحالية ليست مجرد خلاف حول بند تقني، بل تعبير عن فجوة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي، وحدود الإصلاح الممكن، وشروط المشاركة في العملية السياسية.
فبالنسبة للأغلبية، يشكل الحوار فرصة لإعادة ترتيب المشهد وتعزيز الاستقرار، حتى ولو تطلب ذلك طرح ملفات حساسة؛ أما بالنسبة لجزء من المعارضة، فإن أي حوار لا يسبقه مناخ من التهدئة وضمان الحريات يظل مجرد واجهة شكلية.
وخلاصة الأمر أن الحوار السياسي الموريتاني أمام مفترق طرق دقيق: إما أن تنجح المقترحات التوفيقية في إعادة الأطراف إلى الطاولة، أو أن تتحول أزمة المأموريات إلى عقدة بنيوية تعطل المسار برمته.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الفاعلون السياسيون تحويل الحوار إلى فرصة حقيقية لإعادة بناء الثقة، أم أنه سيلتحق بسلسلة الحوارات السابقة التي انتهت دون نتائج حاسمة وتحولت إلى فرص ثمينة ضائعة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك