يشكل النقد بلورةً زئبقية لما وراء الكتابة التي تمارس التجاوز في شتى نواحيها، لتسوق الصياغة الفيلولوجية إلى بعث الروح من التصدع، وابتكار التوليف التعبيري من خلال المفاهيم البنيوية الخاصة بكل نوعٍ أدبي.
وبهذا يبرهن فرديناند دي سوسير أن البنية الشكلية للنص لا تعرج فقط على التركيبة الأيديولوجية التي تقوم على المحتوى المتداخل والمتغير، بل تحطم الترابط بين الدال والمدلول المترابطين، حسب رأي دوسوسير، لتثبت أن وراء المغزى معنى مكبوتاً لا يحقق اللذة المرجوة للقارئ، إلا من خلال تشطيب هوامشه الفرعية، والتركيز على الهدف المباشر للبنية التحتية لهذا النص.
وفي رحم الثنائيات المتضادة تبرز المحاولات اللازمنية في أرشفة النقد إلى عدة فروعٍ لابتغاء الموضوعية التي تلزمه بالتعريف عن الكاتب، وعبور مضائقه الأنطولوجية التي تقوم على الوصايا العشر لإيمانويل كانط، الذي تعهد بتنقية العالم من شوائبه الأخلاقية، من دون خلخلة التجنيات الطبيعية التي تتأتى من جنون الممارسات الاجتماعية، التي تهيمن على التصدعات السوسيولوجية القائمة على اللغة، لتنشيط الدورة الوظائفية للفكر الحر، لذلك فالنقد يشطر اللب المتجلي في التأويلات المحتملة لكل جملةٍ وعبارة.
ويعمد فرديناند دي سوسير إلى تكوين مصطلحاتٍ صوتية تسبق المحاور التعاقبية للنصوص، يطلق عليها مصطلح «فسلجة الأصوات»، أي الوظائف الصوتية السهلة التمييز، لتصبح الفائدة في علم اللغة الهدف الملموس من الانطباعات الصوتية التي تدركها الأذن بشكلٍ متجانسٍ، أو متنافرٍ معاً، فكيان اللغة موحدٌ، ولكنها تخضع للتصنيف والتأويل، لذا حسب رأيه، يجب أن تخضع الصورة للتقلبات المتنافرة حتى يتم التشكيل الأخير بشكلٍ متناسق، فكأن التضاد يولد التجانس، والاختلاف يخلق التطابق.
وتلعب العملية الصوتية والسمعية والمكونات السيكولوجية دوراً بسبب اختلافها البين، لأن صور الكلمات تختلف عن الصوت، والخواطر التي تصل في ما بينها هي نفسية بحتة.
لهذا قسم دي سوسير دائرته التي أنجزها في تحليله إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الخارجي الذي يحتوي على الرنات الصوتية التي تربط بين الفم والأذن، والجزء الثنائي وهو النفسي وغير النفسي، الذي يضم الأعمال الفسلجية التي تنهض بها الأعضاء الصوتية، ويركز على حقائق فيزيقية في عالم الإنسان، والجزء الثالث بشقيه الإيجابي والسلبي، الذي ينقل الصوت من المتكلم إلى السامع عبر مركز الارتباط والعكس صحيح، فيولد شحنةً إيجابية وأخرى سلبية.
ويشدد دي سوسير على أن الجزء السيكولوجي هو الذي يقوم بدور التنفيذ.
ولا يلبث أن يلعب دي سوسير دور عالم الاجتماع في تصنيف اللغة كمركزٍ قائمٍ بثقله لتحفيز دائرة التبلور الاجتماعي بين أفراد المجتمع، لأن ملكة الاستقبال والتنسيق لا تقوم بوظائف الحوار إذا كانت اللغة غير معروفة بين الأفراد، لأن العنصر الاجتماعي يكون مفقوداً في حال اختلاف اللغات، أما الانطباعات الذهنية الأساسية فتنطبع في المخيلة بين متكلمي اللغة الواحدة، فالكلام يساعد الإنسان على استعمال الشيفرة اللغوية لبث جوهرية أفكاره، وكذلك ابتداع العملية السيكوفيزياوية في توليد شحنات المظهر الخارجي لهذا الترابط المتين بينهما.
وهكذا ترتبط الصورة السمعية بالفكرة المصورة، فحتى لو فقد المتكلم النطق يظل محتفظاً بها نتيجة الإشارات الصوتية التي يتلقاها.
فاللسان غير متجانس، بينما اللغة متجانسة، لأنها تربط المعنى بالصورة، وهي تدرج ضمن نظام الإشارات، وقد تستخدم كتعويضٍ للأشخاص الذين يعانون من فقدان السمع والنطق.
كما أن الواقع التراجيدي والعاطفي متدفقٌ في النص، فيأتي النقد مثل استكناه ثنيات هذا النص.
لا شك أن السبر النفسي للغة يتطلب مهاراتٍ محددةً ومهندسةً، مثل بناء جسرٍ ثابت فوق أطياف التلميح الرمزي، وهنا يشدد دي سورسير على أن اللعبة التثقيفية للغة لا تنسف مجموعها المركب في مجسم التحليل.
وقد ساهم كثيراً في تحرير طغيان المغزى الشامل تحرير العقل من التشبث بالتقليديات والاحتمالات، وانفتاحه على التعليل الماورائي لكل تراجعٍ نهائي لمدلول التماثل بين الكلام والتعبير.
ويلعب العرف الثابت للغة الذي ينقلها من جيلٍ إلى جيل، من دون أي تحديث، مع ترسيخ عروقها المرتبطة بالتاريخ، دور التراجع المحوري في إضافة فلسفة التغيير في القوانين، التي تستعرض نفسها في التوريث المطلق للحروف ومخارجها والكلمات ومدلولاتها.
لذلك عندما يفوه اللسان بكلماتٍ ما فهي تنشئ في اللاوعي رابطةً سخيةً مع الذاكرة التي يحركها الانفعال اللحظي والزمني، فكلمة «حرب» مثلاً تعيد إلى ذهن الفرد ما تكبده من خسائر جمة جراء حربٍ عاشها وصراعٍ انتهك أعماقه بالمكبوت النصي، الذي قوض لديه ناصر الأمان، وكلمة «حلم» تناغي اللاوعي المكبوت في النفس التواقة للأمل القرائي واللفظي والمتخايل في الذاكرة.
وإذا كانت «الدياركونية»، أو الدراسة اللغوية التاريخية التي تتقصى تطور اللغة وتبدل الأصوات وتراكيب الكلمات عند دي سوسير قد ركزت على البنية التحتية للنص وكيفية تبدله حسب النمط المتقلب للغات، فإن «السانكرونية» التي تعنى باللغة في مرحلتها الآنية والزمنية، تولي الأهمية للبنية الحالية المتوفرة بعناصرها الخاضعة للأحوال السلوكية.
وبما أن العلم البنيوي قد تجاوز، حسب رأي دي سوسير، الدروس اللسانية ليضم كل العلوم، فقد آلت إلى تشكيل آليةٍ من العلاقات الباطنية لتخلق نوعاً من التنظيم المتكامل لتنتج منهجيةً خاصة، ما ولد ما يسمى بالتوليدية والبنيوية النقدية.
وقد لجأ دي سوسير إلى علم السيميائيات وفصل بين اللغة والكلام، وميز بين اللسانيات لتصبح لسانية آنية ولسانية زمنية، واعتبر أن اللغة المتبادلة بين الأشخاص هي ظاهرةٌ اجتماعيةٌ تبنى عليها هيكلية الافتتان الحذر في العلاقات، وينبع هذا من الانتقال التلقائي من دراسة الظواهر اللغوية الواعية إلى التدقيق في بنيتها التحتية اللاواعية.
كما يرسم دي سوسير خريطةً تواصليةً بين الصوت وما يحدثه من أثرٍ نفسي في رقعة النفس الخاوية، أو الممتلئة بالذكريات، لهذا قد نستحضر مثلاً نشيداً في خلفية عقولنا، من دون أن نحرك لساننا، أو سائر أعضاء الصوت، فينبثق الصوت الداخلي كإشارة اشتعالٍ لمشاعرنا الداخلية، وقد نردد قصيدة شعرٍ في ذهننا في موقفٍ محددٍ غير ثابت.
وبين الدلالة التأويلية والدلالة التوليدية يقارب مذهب دي سوسير الشذرات اللغوية التدليلية التي تعتمد على التركيب الإسنادي والعلاقة المترسخة بين المنطوق واللامنطوق، أي بين اللسان والكلام، فنحن قد نتلفظ في أعماقها بما ندخره من متقلبات شعورية في الرغبة اللاواعية وقد نحكي ما يحتم علينا من نصوصٍ رمزية للتعبير عن لغة التواصل في ما بيننا.
وبين العلاقة التركيبية والثبات والتحول، وثنائيات الشراكة الإنسانية عبر العصور مع أدلة التركيب والاستبدال والتغير الدائم، تبقى نظرية دي سوسير كلعبةٍ متقنة لحجارة النرد، تحدث الصدى واللذة والانفعال المرتد في آن واحد، وتضرب بإيقاعها في الروح والجسد لتؤلف حضاراتٍ ومدنيةً، وتطوراً اجتماعياً وزمنياً وسياسياً يشكل فرائض الحياة ومتطلباتها، وتفرض أنساقاً متقاطعة ومتنافرة ومتضافرة تسيطر عليها المزاعم البنيوية، من دون التقيد بالنظرة السكونية البنيوية، بل بسلوك الاختلافات الدائمة والاختلاقات الجذرية التي تولد بيولوجيا نصية فريدة في تآلفها وتواطئها، لخلق مدارس أخرى تحلل ماهية اللغة وأصول تلقفها وتصديرها بدءاً من التكوين إلى التصوير.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك