في هذه الحرب الخرقاء التي تستعر في الشرق الأوسط، وكأنها «حرب على حرب»، ندرك كيف تشكل وسائل الإعلام والصناعات «التخيلية» معا أقوى ناقل للتمثلات الدينية والثقافية والسياسية؛ خاصة في بلد مثل لبنان يعز علينا جميعا، لما عرف به من «أريحية» دينية؛ على الرغم من ارتفاع بعض الأصوات الطائفية «المُنكرَة» هنا وهناك… فـ«ينسحب» أهل الفكر عندنا، ويسود الخطاب الإعلامي «المسيس» وهو جزء من «أجهزة الدولة الأيديولوجية» التي يتحكمون فيها.
في هذا الظرف الاستثنائي، لا نملك إلا أن نشحذ ذاكرتنا؛ ونستحضر الكتاب والشعراء الذين أغنوا فكرنا وثقافتنا، وافتتحوا لنا آفاق الإبداع الرحبة.
وأحد أبرز هؤلاء إيليا أبو ماضي الشاعر والأديب المهجري، ابن قرية المحيدثة في محافظة جبل لبنان حيث ولد عام 1889على الأرجح، وهو ابن عائلة فقيرة تعتنق الديانة المسيحية، وتتألف من ستة أولاد وبنت واحدة، لم يلتحقوا بالمدرسة، وإن كان «ايليا»تلقى بواكير تعليمه الابتدائي في مدرسة قريته جوار الكنيسة، قبل أن تجبره ظروف الحياة القاسية على ترك مقاعد الدراسة، وهو يافع لا يزال في الحادية عشرة من عمره؛ فهو «عصامي» تدرج بكده وجهده وذكائه وطموحه، في ارتقاء سلم الشعر والأدب، حتى تسنم أعلاها في تاريخ الأدب العربي الحديث، وتحديدا المهجري منه.
على أن كلمة «عصامي»، ولا بد من وقفة عجلى عليها، حتى نفهم موقف بعض النقاد من شعر ايليا أبو ماضي، وهو لا يخلو من تحيف وتمحل مثل موقف طه حسين، لا أصل لمعناها هذا في «لسان العرب»، وإنما هي مشتقة على ما يروى من قصص العرب في الجاهلية، من اسم عصام بن شَهبَر الجِرمي، وكان حاجبا من حجاب النعمان بن المنذر، حاز مكانة رفيعة في بلاطه وحاشيته؛ حتى قال فيه النابغة الذبياني: «نفسُ عِصَامٍ سوَدَت عِصَامَا/// وعلمتهُ الكــر والإقـدامـا وصيـرتْهُ بطـــلاً هُمـــامــا».
فذهب قوله مثلا بين الناس، شأنه شأن مثل آخر»كن عصاميا لا عظاميا»، و»العظامي» نقيض «العصامي»، هو من يتشرف بقومه وأجداده أو بحسبه ونسبه.
self-made man و»العصامي»، هو المصطلح الأنجلو ساكسوني الذي صاغه الأمريكي فريديرك دوغلاس عام 1860؛ وله سياق تاريخي مخصوص في أمريكا حيث عاش ايليا أبو ماضي الفترة الزاهية من حياته الأدبية؛ إذ نهضت الأمة الأمريكية على جملةٍ من الأساطير المؤسسة، من أبرزها أسطورة «الحلم الأمريكي» الذي يجعل من أي فرد «سيد نجاحه»، مهما تكن أصوله الاجتماعية أو الاقتصادية؛ بصرف النظر عن الصدفةُ فهي ليست عاملا يُعتد به في هذا السياق، على الرغم من أن لها بعض»أثر» في سيرة إيليا أبو ماضي؛ وقد يكون مردها إلى الظروف التاريخية التي حفت بنشأته، مثل «نكبة فلسطين» الحاضرة في وجدانه وشعره، وطفولته في الريف اللبناني، وفترة من شبابه في مصر التي هاجر إليها عام 1902 للعمل مع عمه الذي كان تاجرا للتبغ.
وهنالك عاش الحياة الثقافية الذي كانت تميز مصر حينها، فانكب على مطالعة الكتب والجرائد والمجلات الأدبية.
وفي الإسكندرية والقاهرة اختلف إلى شيوخ الكتاتيب لدراسة النحو وعلوم اللغة العربية، حتى تعلم صناعة الشعر وتعهد موهبته.
ثم بدأ في محاولة الكتابة، والتقى صدفة بأنطون الجميل، الذي كان قد أنشأ مجلة «الزهور»، فدعاه إلى الكتابة فيها؛ وقد استرعت انتباهه موهبته الأدبية.
وبعد فترة من الكتابة الشعرية، التي كانت تنشر في بعض المجلات المصرية، بادر من دون تهيب، بنشر ديوانه الأول «تذكار الماضي» عام 1911، وهو لا يزال في الثانية والعشرين من عمره.
ومدار قسمه الأغنى على الشعر الغزلي والسياسي.
وهو مثل جلذ شعره في «الجداول» و»الخمائل» و»تبر وتراب»، يتميز بسمات الرومنطيقية التي تخالطها؛ وإن بنسب متفاوتة سمات «الكلاسيكية الجديدة» التي تنهض على وجدانية المدلول وتخييل الطبيعة.
ولا غرابة فهو أحد آباء الرابطة القلمية الجمعية الأدبية الشهيرة التي أسسها أدباء سوريون ولبنانيون في مدينة نيويورك عام 1920.
ويذكر ميخائيل نعيمة في كتابه «جبران ـ حياته، موته، أدبه، فنه»، أن الرابطة تأسست بعد جلستين، عُقدت أولاهما في منزل عبد المسيح حداد صاحب جريدة «السائح» النيويوركية العربية، بتاريخ 20 أبريل/ نيسان 1920.
وورد في محضر هذه الجلسة الذي دونه نعيمة أن «أحدهم رأى أن تكون لأدباء المهجر رابطة تضم قواهم وتوحد مسعاهم في سبيل اللغة العربية وآدابها.
فلاقت الفكرة استحسان كل الأدباء الحاضرين وهم: جبران خليل جبران ونسيب عريضة ووليم كاتسفليس ورشيد أيوب وعبد المسيح حداد وندرة حداد وميخائيل نعيمة وإيليا أبو ماضي.
وفي 28 منه، عقدت الجلسة الثانية والحاسمة في منزل جبران بحضور الأدباء، الذين حضروا الجلسة التمهيدية، إضافة إلى الأديب إلياس عطا الله؛ تمت الموافقة على دستور الجمعية، وانتخب المؤسسون جبران عميدا للرابطة، وميخائيل نعيمة مستشارا، ووليم كاتسفليس خازنا، وكلفوا نعيمة مهمة تنظيم قانونها».
ويعرف دارسو الآداب العربية الحديثة أن المركزين الكبيرين اللذين نشأت بهما هذه الآداب، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحتى الثلث الأول من القرن العشرين هما: بلاد الشام الكبرى بما فيها لبنان وفلسطين، ومصر.
على أن الأول كان حجر الزاوية، وإنْ في سياق شد وجذب بين أنصار القديم من خريجي المعاهد والمدارس الدينية، وأنصار الجديد أو التحديث من خريجي الجامعات الأوروبية.
ويسوغ المستعرب هاملتون جيب ريادة السوريين المسلمين والمسيحيين، بما تعلموه منذ البداية على أسس «غربية سليمة»، وما حصلوه من معرفة عميقة بالآداب العربية القديمة، وامتلاكهم ناصية اللغتين: العربية والفرنسية والإنكليزية.
ويكفي أن نذكر بأن أدباء المدرسة السورية في المهجر هم الذين بادروا إلى نقل نماذج من شعر أبي العلاء المعري إلى الإنكليزية، مثل ترجمة رباعيات مختارة من أبي العلاء لأمين الريحاني (نيويورك 1903).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك