عمان- ليست الحياة الجامعية للطلبة من الإعاقة مجرد رحلة تعليمية؛ إنما مساحة تتقاطع فيها الفرص الحقيقية للتمكين ومواجهة التحديات، فهذه المرحلة تعد مفصلية وتمثل نقطة تحول مهمة، ينتقل فيها الفرد من الاعتماد النسبي إلى الاستقلالية، ويبدأ في تشكيل هويته الأكاديمية والاجتماعية.
اضافة اعلانكثيرة هي التحديات التي يواجهها الطلبة ذوو الإعاقة تلك المرتبطة بالبنية التحتية للجامعات، حيث يفتقر بعضها إلى التجهيزات اللازمة التي تسهل الحركة والتنقل داخل الحرم الجامعي.
أيضا، تظهر تحديات أخرى على المستوى الأكاديمي، مثل عدم تهيئة المناهج وطرق التدريس بما يتناسب مع احتياجاتهم المختلفة، مما قد يؤثر على قدرتهم على استيعاب المادة العلمية أو التعبير عن إمكاناتهم الحقيقية في التقييمات.
إلى جانب ذلك، تبرز التحديات النفسية والاجتماعية، حيث يواجه الطالب أحيانا صعوبات في الاندماج مع زملائه بسبب الصورة النمطية أو نقص الوعي بقضايا ذوي الإعاقة.
وقد يؤدي ذلك إلى شعور بالعزلة أو انخفاض الثقة بالنفس، خاصة إذا لم يجد بيئة داعمة تشجعه على المشاركة والتفاعل، كما أن بعض الطلبة قد يترددون في طلب المساعدة خوفا من نظرة الآخرين.
مجدي قاسم، طالب كفيف يدرس الإعلام، وهو اليوم على مشارف التخرج، يقول إن المرحلة الجامعية هي مزيج من الصعوبات والنجاحات، ومخزون من الخبرات اليومية التي صنعت ما هو عليه اليوم.
ويؤكد أن الجامعة كانت بالنسبة له بوابة لحياة جديدة، أراد أن يعيشها بإمكاناته وبالطموح الذي سيؤهله لخوض الحياة العملية بجدارة.
فقد واجه العديد من التحديات، أبرزها صعوبة الوصول إلى المواد الدراسية، ما كان يتطلب منه بذل جهد إضافي في تحصيلها، إلا أن هذه التحديات ترافقت مع فرص مكنته من الاستمرار في طريقه.
ويرى مجدي أنه أصبح أكثر قدرة على رؤية الواقع بعين الواثق، الباحث عن حياة تشبه طموحه ويجد فيها ذاته، حياة تقربه من هدفه الأهم بأن يصبح صحفيا معروفا يسلط الضوء على قضايا جوهرية.
وخلال سنوات دراسته الجامعية، تعلم كيف يكون صبورا ومنظما ومعتمدا على ذاته.
وقد ساعده حبه الكبير لتخصصه على الاستمرار، فلم يكن أمامه خيار سوى الاجتهاد والنظر إلى العقبات كفرص لابتكار طرق جديدة نحو واقع أفضل، في تجربة شكلت تدريبا عمليا على تحمل الضغوط وإيجاد حلول بديلة لكل ما يواجهه.
بناء العلاقات وتعزيز الشعور بالانتماءورغم كل التحديات، فإن الحياة الجامعية تفتح أمام ذوي الإعاقة فرصا كبيرة للتطور؛ فهي تمنحهم مساحة لاكتساب الاستقلالية واتخاذ القرارات بأنفسهم، كما تتيح لهم تطوير مهاراتهم الأكاديمية والاجتماعية من خلال التفاعل مع بيئة متنوعة.
كذلك، توفر الجامعة فرصا للمشاركة في الأنشطة الطلابية، مما يساعد على بناء علاقات جديدة وتعزيز الشعور بالانتماء.
ويأتي التطور التكنولوجي ليشكل تحسين تجربة التعلم لذوي الإعاقة، إذ أصبحت البرامج المساعدة وسيلة فعالة لتجاوز العديد من العقبات.
ولا تقتصر أهمية هذه التقنيات على تسهيل الوصول إلى المعرفة فحسب، بل تعزز أيضاً ثقة الطالب بنفسه وقدرته على الإنجاز.
أمل أحمد؛ طالبة في السنة الثانية، ترى أن الجامعة تمثل محطة مهمة للأشخاص ذوي الإعاقة، إذ تكسبهم هذه المرحلة الكثير من التجارب والخبرات التي تثري شخصياتهم، وتعدهم لمواجهة الحياة بصلابة ونجاح.
وتشير إلى أن دخولها الجامعة غيرها للأفضل، وجعل منها شخصية أكثر مرونة، قادرة على تقبل التحديات والفرص بالعزيمة والإصرار ذاتهما.
وهي تؤمن بأن النجاح ينبت من رحم الصعوبات، وأن الخروج إلى الحياة بثقة، بعيدا عن النظرة السطحية للإعاقة، يمنح إحساسا مختلفا بالقوة، ويعزز حق ذوي الإعاقة في صناعة مستقبلهم بأيديهم.
وعن إعاقتها الحركية، تؤكد أنها لم تكن يوما حاجزا بينها وبين حلمها في أن تصبح مهندسة، رغم الصعوبات اليومية التي تواجهها في التنقل بين القاعات والمختبرات.
لكنها، في المقابل، تحرص على تنمية مهارات جديدة، مثل التخطيط المسبق وتنظيم الوقت، إلى جانب تعلم الدفاع عن حقوقها وطلب التسهيلات المناسبة.
هذا كله سيساعدها مستقبلا على تحويل هذه المهارات إلى أدوات قوة توظفها في بيئة العمل، خاصة في إدارة المشاريع والتغلب على العقبات.
دور الطلبة كأصحاب حق وصوت فاعلوفي هذا الخصوص، توضح الناشطة الحقوقية منار القيسي أنه لا يمكن النظر إلى الحياة الجامعية لذوي الإعاقة باعتبارها مجرد مرحلة تعليمية، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام المجتمع بمبادئ العدالة والمساواة.
فالجامعة يفترض أن تكون فضاء للمعرفة والانفتاح، بعيدا عن فجوات عميقة بين الخطاب الحقوقي والتطبيق الفعلي.
ومع ذلك، ترى أن هذه الفجوات نفسها تخلق مساحات للنضال، وتمنح الطلبة ذوي الإعاقة فرصة لاكتشاف ذواتهم، ليس كمتلقين للخدمة، بل كأصحاب حق وصوت فاعل.
وتنوه القيسي إلى أن التحديات التي يواجهها هؤلاء الطلبة، سواء كانت في البنية التحتية أو في الأساليب التعليمية أو حتى في المواقف الاجتماعية، ليست مجرد عقبات فردية، بل هي انعكاس لبنية مجتمعية لم تستوعب بعد مفهوم الشمول الكامل.
وتضيف أن كل درج غير مهيأ، وكل محاضرة غير ميسرة، وكل نظرة غير عادية، هي شكل من أشكال الإقصاء غير المباشر.
لكن، في المقابل، فإن مواجهة هذه التحديات بشكل يومي تنمي لدى الطلبة وعيا حقوقيا، وتجعلهم أكثر إدراكا للمطالبة بحقوقهم.
مبادرات تهدف لتحسين البيئة الجامعيةوتؤكد القيسي أن الحياة الجامعية، رغم قسوتها أحيانا، إلا أنها أساسية في صقل شخصية الطلبة ذوي الإعاقة، إذ تدفعهم إلى تطوير مهارات لا تدرس في الكتب، مثل الصبر والمرونة والقدرة على التفاوض والدفاع عن الذات.
كما تعزز لديهم روح المبادرة، إذ يجد كثير منهم أنفسهم مضطرين لابتكار حلول بديلة، أو حتى قيادة مبادرات تهدف إلى تحسين البيئة الجامعية لأنفسهم ولغيرهم.
وفي نظر القيسي، فإن الفرص التي توفرها الجامعة لا تقل أهمية عن التحديات؛ فالاحتكاك ببيئة متنوعة، والانخراط في أنشطة طلابية، وبناء علاقات اجتماعية، كلها عوامل تسهم في كسر الصورة النمطية، ليس فقط لدى الآخرين، بل لدى الطلبة أنفسهم أيضا.
وهنا يحدث التحول الأهم، من الشعور بالاختلاف إلى الشعور بالقوة، ومن الإحساس بالعجز إلى إدراك الإمكانات.
وتختتم حديثها بالتأكيد على أن الطلبة ذوي الإعاقة لا يحتاجون إلى شفقة، بل إلى بيئة عادلة تتيح لهم الفرصة لإثبات قدراتهم.
فالتحديات التي يواجهونها داخل الجامعة، رغم صعوبتها، تسهم في إعدادهم لمواجهة الحياة بثقة وصلابة، وعندما تُمنح لهم المساحة الكافية، لا يصبحون فقط ناجحين على المستوى الشخصي، بل يتحولون إلى عوامل تغيير حقيقية في مجتمعاتهم.
حواجز نفسية واجتماعية تعيق الاندماجوتشير خبيرة علم الاجتماع فاديا إبراهيم إلى أن نظرة المجتمع الجامعي، سواء من الطلبة أو أعضاء هيئة التدريس، تؤثر بشكل مباشر على اندماج الطلبة ذوي الإعاقة.
فحين تسود نظرة قائمة على التعاطف الإيجابي والاحترام، يشعر الطالب بأنه عضو فاعل ومقبول، مما يعزز مشاركته وثقته بنفسه.
أما إذا غلبت النظرة النمطية أو الشفقة السلبية، فإنها تضعه في موقع" الآخر" المختلف، مما يخلق حواجز نفسية واجتماعية تعيق اندماجه داخل الحرم الجامعي.
ووفق إبراهيم، تلعب الأنشطة الطلابية دورا محوريا في تعزيز المشاركة الاجتماعية، إلا أن فعاليتها ترتبط بمدى شمولية تصميمها.
فالنشاط الذي لا يراعي احتياجات ذوي الإعاقة يتحول إلى مساحة إقصاء غير مباشر، حتى وإن كان الهدف منه دمج الجميع.
وفي المقابل، فإن الأنشطة المصممة بطريقة مرنة وتشاركية تتيح تفاعلا حقيقيا، وتسهم في كسر الحواجز بين الطلبة، وتعيد تعريف مفهوم المشاركة ليكون قائماً على التنوع.
أما على مستوى العلاقات اليومية، فإن دور الأصدقاء والزملاء يعد من أهم عوامل الدعم النفسي والاجتماعي.
فالصديق هنا لا يقدم فقط المساندة العملية، بل يخلق بيئة من الأمان والانتماء.
فالعلاقات الإيجابية تخفف من الشعور بالاختلاف، وتعزز الإحساس بالمساواة، بينما يؤدي غياب هذا الدعم إلى شعور بالعزلة، حتى في بيئة مزدحمة كالحرم الجامعي.
الصورة النمطية المرتبطة بالإعاقةولا يمكن إغفال أثر الصورة النمطية المرتبطة بالإعاقة، التي تعد من أخطر التحديات الاجتماعية، بحسب إبراهيم؛ ففيها تختزل قدرات الفرد، وتؤثر على طريقة تعامل الآخرين معه، ما ينعكس سلبا على بناء العلاقات الاجتماعية.
فالطالب الذي ينظر إليه من زاوية العجز فقط، يجد صعوبة في إثبات ذاته خارج هذا الإطار الضيق، مما يحد من فرص تكوين صداقات قائمة على التقدير المتبادل.
ومن زاوية أوسع، تشير إبراهيم إلى أن البيئة الجامعية نفسها تلعب دورا حاسما في توفير فرص متكافئة لبناء الشبكات الاجتماعية.
ولا يقتصر ذلك على البنية التحتية المادية، بل يشمل أيضاً السياسات الجامعية، وأساليب التدريس، وطبيعة الفعاليات.
فكلما كانت البيئة أكثر انفتاحا ومرونة، زادت فرص التفاعل، وتراجعت الفجوات الاجتماعية بين الطلبة.
كما ينعكس مستوى الوعي المجتمعي بقضايا الإعاقة بشكل واضح على شعور الطلبة بالانتماء؛ فالمجتمع الواعي ينتج ثقافة تتقبل الاختلاف وتحتفي به، مما يعزز شعور الطلبة بأنهم جزء أصيل من النسيج الجامعي.
وفي المقابل، يؤدي ضعف الوعي إلى ترسيخ مشاعر العزلة والتهميش، حتى من دون وجود ممارسات إقصائية صريحة، بحسب إبراهيم.
وتبرز المبادرات الطلابية كأداة فاعلة في إحداث التغيير الثقافي داخل الجامعة، خصوصا حين تنطلق من وعي حقيقي، وتكون قادرة على إعادة تشكيل الخطاب السائد حول الإعاقة، ونقلها من كونها حالة فردية إلى قضية مجتمعية.
كما تسهم في خلق مساحات للحوار، وتعزيز قيم التضامن، وتكريس مفهوم الجامعة كمجتمع شامل يحتضن جميع أفراده.
وتختتم إبراهيم حديثها بأن اندماج الطلبة ذوي الإعاقة لا يتحقق فقط عبر التسهيلات المادية، بل هو نتاج منظومة اجتماعية متكاملة تقوم على الوعي والتقبل والمشاركة الفاعلة.
فكلما ارتقى الوعي الجمعي داخل الجامعة، تحولت من مجرد مؤسسة تعليمية إلى بيئة إنسانية حاضنة للتنوع والاختلاف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك