يُنسب إلى وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر قوله: " أن تكون عدوّاً لأميركا أمر خطير، لكن أن تكون صديقاً لها أمر قاتل".
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى تتأكّد هذه المقولة، فمن أوروبا إلى الخليج تضرب واشنطن" حلفاءها" لتعزّز هيمنتها الاستراتيجية في مجال الطاقة.
ما يربط عواقب عملية تخريب خطوط أنابيب نورد ستريم، التي كانت تنقل الغاز من روسيا إلى أوروبا عبر ألمانيا إلى حدود عام 2022، بتداعيات الحرب الجارية على إيران، هو حرب الهيمنة الأميركية على سوق الطاقة التي تخوضها واشنطن ويدفع ثمنها شركاؤها.
فحين يتعلّق الأمر بالطاقة وإسرائيل، يتبخّر الفرق بين سياسات الحزبَين الديمقراطي والجمهوري الأميركيين.
سلوك الأميركي في فنزويلا وإيران يوحي بمشروع جيوسياسي للسيطرة على أصول الطاقة الأجنبيةواصل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن ممارسة ضغوط سبق أن مارسها الرئيس دونالد ترامب في عهدته الأولى، محذّراً الدول الأوروبية، وخصوصاً ألمانيا، من زيادة اعتمادها على روسيا مصدراً للطاقة.
وفي مؤتمر صحافي بمشاركة المستشار الألماني أولاف شولتز، في مطلع فبراير/ شباط 2022، لم يتردّد بايدن في التهديد بتعطيل خطّ نورد ستريم 2 إذا أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا.
رفضت الدول الأوروبية الخضوع لتهديدات اعتبرتها انتهاكاً لسيادتها، واستمرّت في استيراد الغاز الروسي عبر" نوردستريم 1" رغم اجتياح موسكو أوكرانيا، وكانت على وشك افتتاح" نورد ستريم 2" حين تعرّض لعملية تخريب في أعماق بحر البلطيق أدّت إلى تعطيل الخطَّين معاً.
رغم التلاعب بالتحقيقات الأوروبية حول أكبر عملية تخريب شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، فإنّ أصابع الاتهام ما زالت تشير إلى واشنطن دون غيرها، فتعطيل الخطَّين يتماشى بوضوح مع سعيها وراء قطع اعتماد أوروبا على الطاقة الروسية من أجل إجبارها على اقتناء الغاز الأميركي.
بعد إزاحة الغاز الروسي من المعادلة، توجّهت أوروبا بالفعل نحو الغاز المسال الأميركي بديلاً رئيساً رغم ارتفاع أسعاره.
وقفزت حصّة أوروبا من صادرات الغاز الأميركي لعام 2023 من 34% إلى 74%، إلى جانب زيادة إجمالية في الصادرات بلغت 8.
6%.
تحوّل ما كان يوصف بالقلق الأمني بشأن النفوذ الروسي إلى تعزيز الهيمنة الأميركية على سوق الطاقة العالمي؛ هيمنة دفعت أوروبا تكاليفها جرّاء صدمة اقتصادية دفعت ألمانيا نحو الركود، وأقحمت معظم دول القارّة في أزمات اقتصادية وسياسية مستمرّة، ومستفحلة في ضوء الحرب على إيران.
تغيّرت القيادة الأميركية، وخلف الديمقراطي بايدن الجمهوري ترامب، لكنّ سياسة الانقلاب على الحلفاء لم تتغيّر كثيراً، فقط توسّعت وتوجّهت شرقاً نحو الخليج العربي.
على الرغم من تحذيرات قادة دول الخليج العربي المتكرّرة من العواقب الكارثية لحرب على إيران على بلدانهم، شنّ الرئيس الأميركي حرباً تقودها إسرائيل بغرض فرض هيمنتها على المنطقة، وتسبّبت في اضطرابات عميقة في منظومة الطاقة لم يشهدها العالم منذ عقود.
نتيجة الهجمات الإيرانية الانتقامية على البنية التحتية للطاقة في عدّة دول خليجية، بما في ذلك الهجوم على منشأة رأس لفّان في قطر، وتعطيل عبور مضيق هرمز، تعطّلت منشآت الطاقة في المنطقة، وشلّت إمدادات النفط والغاز والمواد الحيوية، واضطربت الملاحة البرية والجوية في المنطقة على نحو انعكس على مجالات عديدة من مظاهر الحياة والأنشطة الاقتصادية.
نتيجة تضحية ترامب بمصالح" حلفائه" في الخليج من أجل مصالح إسرائيل وشركات الطاقة والسلاح، قد تتحمّل دول مجلس التعاون الخليجي خسائرَ تتراوح بين 103 و168 مليار دولار من ناتجها المحلّي الإجمالي، بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في حصيلة أولية لتداعيات حرب لم تتوقّف شرارتها بعد.
مثلما تجاهل بايدن اعتراض الدول الأوروبية على عواقب تعطيل" نورد ستريم" على بلدانهم، تم تهميش مخاوف الخليج لخدمة أحد أكثر أجندات ترامب أهمية التي تتجسّد في استراتيجية" هيمنة الطاقة" (Energy Dominance) خدمةً لسياساته الداخلية والخارجية.
بحسب هذه الاستراتيجية تتحقّق الهيمنة الطاقية من خلال تنمية قطاعات الوقود الأحفوري والطاقة النووية والمعادن الحيوية الموجّهة إلى الأسواق المحلّية والعالمية، مع تهميش مشاريع الطاقة المتجدّدة في البلاد.
ولقد تحقّق جزء كبير من الهدف من خلال ارتفاع إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في أميركا إلى مستويات قياسية.
غير أنّ السطو الأميركي على نفط فنزويلا، والحرب الجارية على إيران والخليج العربي، بما في ذلك التهديد بالسيطرة على جزيرة خرج الإيرانية، يوحي بأنّ مشروع الهيمنة أصبح سلاحاً جيوسياسياً ينطوي أيضاً على السيطرة على أصول الطاقة الأجنبية، والممرّات الاستراتيجية، وتدفّق الطاقة العالمية، إلى جانب محاربة تكنولوجيا الطاقة المتجدّدة التي تقودها الصين، وتعتبرها أداة ضغط تُستخدم ضدّ واشنطن.
بتوظيف واشنطن المتزايد للطاقة والدولار سلاحَين للهيمنة، تسير نحو تفكيك النظام ذاته الذي تسعى إلى السيطرة عليه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك