قبل عشر سنوات، لم تكن تأشيرة المستثمر في إيطاليا تحظى إلا بحضور هامشي ضمن خريطة برامج الإقامة مقابل الاستثمار في أوروبا.
أما اليوم، فقد باتت واحدة من أكثر البرامج تداولاً بين المستثمرين العالميين، مع تضاعف عدد الطلبات خلال العامين الماضيين، في مؤشر واضح على تحول نظرة رواد الأعمال ومديري الثروات والمستثمرين الدوليين إلى إيطاليا، ليس فقط كوجهة سياحية وتاريخية، بل كموطئ قدم استراتيجي داخل الاتحاد الأوروبي.
البرنامج المعروف رسمياً باسم" تأشيرة المستثمر في إيطاليا" أطلق عام 2017 بموجب قانون الموازنة، بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة ودعم الابتكار.
ويمنح إقامة لمدة عامين للمستثمرين من خارج الاتحاد الأوروبي الذين يضخون ما لا يقل عن 250 ألف يورو في شركة ناشئة إيطالية مبتكرة، مع إمكانية التجديد لمدد لاحقة تصل إلى ثلاث سنوات، بما يتيح حق الإقامة والعمل والتنقل بحرية داخل منطقة شنغن.
لكن الجاذبية الحقيقية للبرنامج لا تتوقف عند ذلك؛ إذ لا يفرض شرط الإقامة الفعلية، ويشمل أفراد الأسرة بالكامل، كما يعد من أقل برامج الإقامة الاستثمارية تكلفة في أوروبا، وفقاً لما ذكره موقع" CEO World"، واطلعت عليه" العربية Business".
صعود إيطاليا في سوق التأشيرات الاستثمارية لم يأت من فراغ.
فالضغوط الاقتصادية العالمية، وتغير الأنظمة الضريبية، وتنامي موجة الهجرة لأسباب" نمط الحياة" أعادت تشكيل مسارات انتقال رأس المال.
المستثمرون اليوم لا يبحثون فقط عن العوائد، بل عن حرية التنقل، والاستقرار الضريبي، والانتماء الثقافي.
وبينما تفرض برامج مماثلة في إسبانيا أو البرتغال أو اليونان تكاليف أعلى وتعقيدات أكبر، تقدم إيطاليا مزيجاً أكثر توازناً من حيث الكلفة والأمان داخل الاتحاد الأوروبي.
ومع إمكانية الحصول على الإقامة الدائمة بعد خمس سنوات، ثم الجنسية بعد عشر سنوات، تتضح الصورة: إيطاليا لم تعد مجرد خيار مؤقت، بل استراتيجية طويلة الأجل.
تهدف الحكومة الإيطالية بشكل واضح استقطاب رأس المال البشري والمالي لتعزيز القدرة التنافسية والابتكار.
فالمادة 26 مكرر من قانون الهجرة كرست هذا التوجه، في إطار سعي روما إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد التقليدي على الصناعة والسياحة.
توجيه الاستثمارات نحو الشركات الناشئة، والشركات المحدودة، أو السندات الحكومية، يهدف إلى تحفيز إنشاء المشاريع، ونقل التكنولوجيا، وبناء كيانات اقتصادية عالية القيمة.
وتتمثل الدوافع الاستراتيجية في تنويع مصادر الاستثمار الأجنبي، وتعزيز منظومة الشركات الناشئة، وتقليص الاعتماد على القطاعات التقليدية عبر تشجيع رأس المال المغامر وريادة الأعمال.
تجاوزت تأشيرة المستثمر كونها أداة هجرة، لتصبح جزءاً من سياسة اقتصادية وطنية.
فكل مستثمر جديد لا يجلب المال فحسب، بل شبكات علاقات عالمية، وخبرات تشغيلية، واستثمارات ثانوية في العقارات والتعليم والخدمات المصرفية الخاصة.
ويبرز مسار الاستثمار في الشركات الناشئة، بقيمة 250 ألف يورو، كأحد أكثر الخيارات جذباً لرواد الأعمال والمكاتب العائلية الباحثة عن قاعدة أوروبية.
ويعزز ذلك النظام الضريبي الثابت الذي أقر في ديسمبر 2025، والذي يسمح بدفع ضريبة سنوية مقطوعة قدرها 300 ألف يورو على الدخل الأجنبي لمدة تصل إلى 15 عاماً، إضافة إلى 50 ألف يورو عن كل فرد من أفراد الأسرة.
هنا يبدأ التحول الحقيقي: إيطاليا لا تبيع تأشيرات.
بل تعرض وطناً مالياً طويل الأجل للثروات العالمية.
ارتفع الطلب على الإقامة الأوروبية بين مستثمري آسيا والشرق الأوسط بنسبة 30%.
فيما وصلت الهجرة الاستثمارية إلى نحو 6% من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إيطاليا.
تداعيات على السوق الأوروبيةتعيد عودة إيطاليا القوية رسم خريطة التنقل المالي في أوروبا.
ففي الوقت الذي تواجه فيه برامج منافسة في إسبانيا واليونان ومالطا انتقادات بسبب التعقيد والكلفة، تقدم إيطاليا نموذجاً أبسط وأكثر شفافية.
وفي قطاع هجرة الاستثمار، يتزايد اهتمام العملاء الباحثين عن ترقية حقيقية في نمط الحياة مقرونة بسياسات مالية مستقرة.
ولم يعد شعار" صنع في إيطاليا" مقتصراً على الأزياء والمطابخ، بل امتد إلى إدارة الثروات والتخطيط للإقامة.
ورغم ذلك، لا يخلو البرنامج من تحديات، أبرزها متطلبات التدقيق الصارمة، وضرورة إثبات مصادر الأموال، والالتزام بفترة الاحتفاظ بالاستثمار.
كما تظل البيروقراطية، وبطء الرقمنة، وطول مدة الحصول على الجنسية مقارنة بدول أخرى، عوامل يجب أخذها في الحسبان.
لكن بالنسبة للمستثمرين الباحثين عن الاستقرار والعمق، لا عن المكاسب السريعة، فإن هذا التوازن بين الانضباط الاقتصادي ونمط الحياة هو تحديداً ما يجعل إيطاليا جذابة.
يتوقع محللون استمرار نمو البرنامج حتى 2027، مع تلميحات حكومية لإطلاق حوافز جديدة للاستثمار الأخضر وصناديق الابتكار، وربما خفض العتبات أو تسريع الإجراءات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك