قد تتسم الشخصية المصرية ببعض العيوب، لكن لا شك أن المصريين ربما يكونون أكثر شعوب العالم في خفة الدم والقدرة على استخراج الضحك من أي موقف، ويدخل تحت هذا العنوان العديد من أبواب الضحك، سواء كانت إفيهات أو تلاعبا بالألفاظ أو تركيب لزمات من الحياة المصرية أو من الأفلام على مواقف تحدث، لم يترك المصريون الحرب الإيرانية تمر بدون أن يضعوا بصماتهم الكوميدية عليها، كان الغالب الأعم مناصر بقوة لإيران إعجابا بما فعلته بأمريكا وإسرائيل وتأييدا لدولة لم تضر مصر ولم تعتدِ عليها.
كان النصيب الأكبر من كوميديا المصريين منصبًا على ترامب، صوروه في عشرات المواقف وركَّبوا على صورته عشرات الإفيهات واللزمات، وكانت السخرية السوداء من نصيب نتنياهو، تجد بين سطورها أو رسماتها كراهية وشماتة لما يحدث في إسرائيل مقارنة بما فعلوه مع غزة، حتى بعد الاتفاق على وقف الحرب أو هدنة الحرب، جلب المصريون علي الكسار النجم المصري المحبوب ليقول عبارته الشهيرة على لسان علي بابا، افتح يا سمسم، بمناسبة الحرب وعقدة مضيق هرمز، جعل المصريون علي بابا يقول: افتح يا هرمز! ! استدعاء بديع لموقف حربي وعسكري.
يعرف المصريون تاريخيا بأنهم دولة الضحك، مواطنوها يحولون النكتة إلى أداة نقد سياسي واجتماعي حاد، بعض الدراسات رأت في ذلك شكلا من أشكال القتال بسلاح النكات، هذه القدرة ليست ترفا ثقافيا، بل ضرورة نفسية، كلما اشتدت الأزمات وضاقت السبل، ازدهرت السخرية كآلية دفاع جماعي، كأن الضحك آخر خطوط المقاومة في وجه العبث.
خلال الحرب الإيرانية، لم يقف المصري صامتا، قدح زناد فكره ودخل المشهد بطريقته الخاصة، أعاد صياغة الحرب في قالب كوميدي، لم يتعامل مع الصواريخ كأدوات دمار، بل بوصفها مادة للإفيه، ليس هناك ما هو أشد فظاعة من الحرب، ولا شيء أعجز من الإنسان أمام زحف الدبابات وصمت المقابر الجماعية، لكن المصري الذي أتقن فن البقاء على مدار سبعة آلاف عام، يمتلك سلاحا لا يكتب في جداول العتاد العسكري، ولا يحصى في ميزانيات الدفاع، سلاح الضحك، بينما كانت الصواريخ تتساقط على تل أبيب، كان المصريون يمارسون هوايتهم الأثيرة في تفكيك الرعب بقفشات ساخرة.
تحوَّلت الحرب في الوعي المصري من مشهد تراجيدي خالص إلى لوحة مركبة، تمتزج فيها المأساة بالكوميديا، والخوف بالسخرية، والقلق بإفيه عابر، وربما في هذا المزج تحديدا تكمن خصوصية المصريين في القدرة على النجاة نفسيا، عبر تحويل أثقل اللحظات إلى أخفها، ولو للحظة من الضحك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك