لم تتعرض الهوية العربية لاختبار مثل ذلك الذي تعرضت له خلال الحرب الإيرانية الثانية، التي قبلت الأطراف المتصارعة فيها هدنة الأسبوعين، و… أفلح من صدق!نعم، هكذا كان الاختبار، صعبًا وعصيًا على الذين لا يمتلكون من الوعي ما يكفي لعدم صب الزيت على النار.
فالمنطقة، شئنا أم أبينا، تمر بأخطر أزمة وجودية ربما منذ زمن بعيد.
هذه الأزمة لم تنفذ إلينا إلا من الثقوب التي تخللت ثوبنا العربي الأصيل، فشوّهت هويتنا، واعتدت على ثوابتنا، وتمادت على مقدراتنا.
حدث ذلك ونحن لا نعلم بأن مشاريع إقليمية بدأت تنمو تحت جلودنا، وأن هناك من يتربص بنا مستخدمين ضعاف النفوس من أبناء شعبنا العربي الكادح والمكافح.
وكان التعليم، وما زال، يمثل ثغرة تم النفاذ منها إلى عقول شبابنا، وإلى نفوس ضعاف النفوس منا، باستخدام الأيديولوجية الراديكالية المتشددة تارة، والمصالح الفئوية الضيقة تارة أخرى.
وعندما انخرطنا حتى النخاع في همومنا الشخصية، وانكفأنا على ذواتنا القطرية المحدودة، كان المارد الإيراني، والعدو الصهيوني، والغريم التركي قد انتهوا من مشاريعهم الإقليمية، بعد أن تأكدوا بأن المشروع العربي لن يُبعث من جديد، وأن التفكك القومي أصبح السمة التي ترتكز عليها الدول العربية، متعارضة المصالح والتحالفات.
بل إن العديد من الدول العربية نجدها وقد وزعت ولاءاتها ما بين الأقاليم جغرافيًا وديموغرافيًا، طائفيًا ودينيًا وأيديولوجيًا، حتى أصبحت الجماعة فوق الدولة، والميليشيا بديلًا عن الجيش، ورفع التهاني في الأعياد أصبح للمرشد الإيراني بدلًا من ولي الأمر في البلد العربي المعني.
بل أصبح الاستنجاد بالصديق التركي في سوريا وغرب ليبيا وشمال سوريا وجنوب السودان أكثر سهولة من الاستعانة بمواطن عربي شقيق، أو بجار مؤمن بقضايانا أكثر من إيمانه بمشاريعه في الهيمنة والإبادة والسيطرة على الدول الفاعلة في الإقليم.
ومنذ الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي تحديدًا، عندما اندلعت الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، وهذه الدول التي أصابتها لعنة التشرذم والانكفاء على القطر، بل إن بعض الذين ضعفت نفوسهم وتهيأت سرائرهم للاستغناء عن هويتهم العربية الأصلية، وجدنا مواقف عدوانية ما أنزل الله بها من سلطان ضد بلادنا وأشقائنا في دول مجلس التعاون الخليجي، وهي تدافع عن نفسها ضد العدوان الإيراني الآثم على مقدرات هذه الدول وعلى شعبها المحب للسلام، والرافض دائمًا للهيمنة والعدوان.
وأغلب الظن أن هدنة الخمسة عشر يومًا أو الأسبوعين قد تمثل فرصة ذهبية لكي يراجع بعض الخارجين عن الإجماع الوطني العربي مواقفهم، وأن يتحققوا من سلامة أو فشل هذه المواقف.
لأننا، شئنا أم أبينا، فإن هويتنا العربية ووحدة الصف في هذه الظروف الصعبة التي تعرضت لها بلادنا أصبحت على المحك.
وأصبح الوعي العربي، الذي تعرض للعديد من الاختطاف والاختراق لكي يميل إلى قوى غير عربية وإلى هوى غير عربي، هو ما يفرض علينا في هذه اللحظات التاريخية تكاتفًا صلبًا، وموقفًا واضحًا لا لبس فيه، بأن “لا يحك جلدك مثل ظفرك”، وأن “أهل مكة أدرى بشعابها”، وأن وطننا العربي الكبير، من محيطه الهادر إلى خليجه الثائر، يتعرض للعدوان، أو هكذا كان ذلك واضحًا في الحرب الإيرانية الثانية، وربما في العديد من الحروب التي استهدفت هويتنا، وحاربت من أجل طمس تلك الهوية.
ولكن بقليل من الوعي، وكثير من تحكيم العقل، سوف ندرك أننا أمة لا يُغلبها غلاب، وأننا شعوب لا تفرقنا المحن، ولا تباعد بيننا الأقدار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك