يستعد مشروع" غولدن باس" المشترك بين شركتي" قطر للطاقة" و" إكسون موبيل" الأميركية في ولاية تكساس، لتصدير أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال يوم 20 إبريل/ نيسان الجاري، عبر الناقلة" إتش.
إل إيجل" التي ستصل من اليونان إلى ساحل الخليج الأميركي، وفق رويترز.
ومن المقرر أن تصبح" غولدن باس" واحدة من أكبر محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة بطاقة إجمالية تتجاوز 18 مليون طن سنوياً عند التشغيل الكامل، فيما ينتج خط التسييل الأول نحو ستة ملايين طن سنوياً.
واعتبر وزير الدولة لشؤون الطاقة، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لـ" قطر للطاقة"، سعد الكعبي، أن هذا الإنتاج" يحمل أهمية بالغة، حيث يمثل أحد أكبر قرارات الاستثمار في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال الأميركية".
ويؤكد الكعبي أن المشروع ليس مجرد توسع تشغيلي، بل استراتيجية لتعزيز المرونة، مشيراً إلى أن حصة قطر ستغطي جزءاً من الالتزامات المتأثرة، مع خطط لزيادة الطاقة إلى 18 مليون طن بحلول 2028.
وتعود جذور مشروع" غولدن باس" إلى عام 2019، عندما وقعت" قطر للطاقة" اتفاقية شراكة مع" إكسون موبيل"، لتمتلك الأخيرة 30% والأولى 70%.
يتكون المشروع من ثلاثة خطوط تسييل رئيسية، بتكلفة إجمالية تقارب 10 مليارات دولار، وحقق الخط الأول إنتاجاً أولياً في نهاية مارس/ آذار الفائت، ما يمثل نقطة تحول في ظل الأوضاع الجيوسياسية الراهنة.
في المقابل، تعرضت منشآت رأس لفان شمال شرق الدوحة، التابعة لـ" قطر للطاقة" (أكبر مجمع لتسييل الغاز في العالم)، لهجمات صاروخية إيرانية في 18 و19 مارس/ آذار الماضي، أدت إلى تدمير جزئي لمحطتين للتسييل، ما أوقف 17% من قدرة التصدير القطرية، أي نحو 12.
8 مليون طن سنوياً من إجمالي 77 مليون طن من الغاز المسال، مع توقعات بتوقف يمتد لنحو خمس سنوات، وقدرت الخسائر المالية المباشرة بنحو 20 مليار دولار سنوياً، بناءً على أسعار الغاز المسال الحالية.
وأعلنت قطر للطاقة" القوة القاهرة" تجاه عملاء بعقود طويلة الأجل في أوروبا مثل ألمانيا وفرنسا، وفي آسيا مثل اليابان وكوريا الجنوبية، ما أدى إلى اضطراب سلاسل التوريد العالمية، واضطرت هذه الدول إلى تفعيل احتياطياتها الاستراتيجية من الغاز والنفط، مع ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 15-20% في الأسواق الأوروبية خلال مارس.
امتصاص الصدمة التشغيلية والماليةيقول الأكاديمي والخبير الاقتصادي عبد الرحيم الهور، في حديث لـ" العربي الجديد"، إن إعلان بدء الإنتاج من مشروع Golden Pass" غولدن باس" في ولاية تكساس يكتسب أهمية تتجاوز كونه تطوراً تشغيلياً أو توسعاً استثمارياً تقليدياً، في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع الطاقة العالمي، ليعكس في جوهره توجهاً استراتيجياً نحو إعادة توزيع مراكز الإنتاج وتعزيز مرونة منظومة الإمدادات القطرية في مواجهة المتغيرات الفنية والجيوسياسية.
فالشراكة بين" قطر للطاقة" و" إكسون موبيل" تأتي في توقيت يتزامن مع التوقف الجزئي في حقل الشمال للغاز الطبيعي، وهو ما يفرض قراءة متأنية لمدى قدرة هذا الاستثمار الخارجي على امتصاص جزء من الصدمة التشغيلية والمالية الناتجة من ذلك التوقف، دون إغفال طبيعة القيود المرتبطة بمرحلة التشغيل التدريجي وتقاسم العوائد.
بدوره، يقول خبير شؤون الطاقة، محمد حمدان، لـ" العربي الجديد": " بلا شك هنالك انعكاسات على المستوى المحلي.
خروج 17% من صادرات قطر وإعلان القوة القاهرة طبيعي ومنصوص عليه في العقود"، لافتاً إلى أن التأثير في الإيرادات مؤقت، وخبرة قطر التراكمية وشراكاتها المتينة ستضمن التعافي بعد توقف الحرب، ويتوقع تعويضاً كاملاً خلال عامين.
تنويع مصادر الدخل والاستثماراتمن الناحية الاقتصادية، يمكن النظر إلى هذا المشروع بوصفه أداة ضمن حزمة أدوات تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على مركز إنتاجي واحد، مهما بلغت طاقته أو كفاءته، وفقاً للهور، الذي يلفت إلى أن التجارب الدولية في قطاع الطاقة تشير بوضوح إلى أن التركّز الجغرافي، رغم ما يوفره من وفورات الحجم، يظل عرضة لمخاطر الانقطاع المفاجئ، سواء لأسباب فنية أو سياسية.
وعليه، فإن الدخول في مشاريع إنتاج وتسييل خارج الحدود الوطنية يندرج ضمن منهجية إدارة المخاطر، التي تقوم على توزيع الأصول الإنتاجية جغرافياً بما يحد من تأثير الصدمات ويعزز القدرة على الاستجابة المستمرة لالتزامات التوريد، ولا سيما في ظل العقود طويلة الأجل التي تشكل العمود الفقري لصناعة الغاز الطبيعي المسال، حسب الهور.
وأضاف: غير أن هذا الطرح، على وجاهته، لا يلغي حقيقة أن التعويض المتوقع من مشروع غولدن باس سيظل في المدى القصير تعويضاً جزئياً، بحكم أن الإنتاج بدأ من خط واحد من أصل ثلاثة، وبحكم أن هيكل الشراكة يقتضي تقاسم الإيرادات، إضافة إلى اختلاف بيئة التكلفة التشغيلية بين الولايات المتحدة وقطر.
إلا أن الهور يعود ليؤكد أن التركيز على البعد الكمي للإيرادات وحده قد يحجب جانباً أكثر أهمية، يتمثل بالحفاظ على استمرارية التدفقات التصديرية وتعزيز موثوقية المورد القطري في الأسواق العالمية، وهو عامل ذو وزن استراتيجي يفوق في بعض الأحيان الاعتبارات المالية المباشرة.
ويعتبر الخبير الاقتصادي، عبد الله الخاطر، في حديث لـ" العربي الجديد" أن" غولدن باس" أفضل نموذج لمفهوم التنويع الاقتصادي وتنويع الاستثمارات؛ فمثل هذا التزامن بين الأحداث وإغلاق مضيق هرمز والاستعداد لبدء الإنتاج من غولدن باس مثال حي لأهداف التنويع لأنها تخفض المخاطر وتوفر في هذه الحالة منفذاً آخر للتدفقات المالية بعيداً عن أزمة المنطقة.
وفي البعد القانوني والتنظيمي، يرى الهور أن الاستثمار الخارجي في قطاع الطاقة يبرز بوصفه نشاطاً معقداً يخضع لتداخل أنظمة قانونية متعددة، حيث تفرض الدولة المضيفة، في هذه الحالة الولايات المتحدة، إطاراً تنظيمياً دقيقاً يشمل تراخيص التصدير والرقابة على الاستثمارات ذات الحساسية الاستراتيجية، وهذا يضع الشركات الوطنية أمام معادلة دقيقة بين الاستفادة من بيئة استثمارية متقدمة ومستقرة، وبين التكيف مع قيود قد تحد من حرية الحركة في إدارة الإنتاج والتسويقية.
وعلى مستوى سلاسل التوريد، يؤكد الخبراء الذين تحدثوا لـ" العربي الجديد"، أن دخول إنتاج إضافي من منشأة تقع على الأراضي الأميركية، يسهم في إعادة توزيع تدفقات الغاز الطبيعي المسال، ويمنح الأسواق المستهلكة، وخصوصاً في أوروبا، خيارات أوسع في مواجهة التقلبات، ويخفف من الضغط على الإمدادات القادمة من الخليج، ويعزز من مرونة النظام العالمي للطاقة في التعامل مع الأزمات، سواء كانت ناتجة من عوامل جيوسياسية أو اختناقات لوجستية.
في المحصلة، سيخفف" غولدن باس" الضغط عن الميزانية القطرية، حيث يساهم بنسبة 5-7% من الإيرادات الإجمالية المتوقعة والبالغة قرابة 100 مليار دولار سنوياً قبل الحرب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك