وتمضي الأيام.
مع سيل جارف من التحديات وموجات متتابعة من الأزمات والمستجدات والمتغيرات “اللامحدودة”، والتي اتخذت طابعا أمميا وبطبيعة الحال تنعكس تداعياتها وتلقي بآفاقها علي الشأن المحلي.
وبحثا عن التعايش الإيجابي مع هذه الظروف “الشائكة”، يتحتم علينا تدبير الأمر والقراءة الواعية المتأنية لكافة الأبعاد، ومراجعة التأثيرات السلبية لهذه المتغيرات المختلفة، ومناقشة ما هو “كائن” بحثا عما ينبغي أن “يكون”.
!وبين الفينة والأخري يطرح المصريون علي مختلف منصات التواصل أفكارا عديدة وأطروحات ومقترحات متباينة، أحيانا قد تبدو منطقية ومقبولة وفي أحيان أخري تكون بعيدة عن الواقع، ولا محل لها من التطبيق الفعلي.
ومن بين ما ناقشته المنصات خلال الأيام القليلة الماضية ضرورة ترسيخ مبدأ “التبرع “، حيث يتبرع نفر من المقتدرين أو جلهم وثلة من رجال الأعمال بمليون جنيه أو أكثر لتسديد ديون مصر، وذلك انطلاقا من تعظيم آليات المشاركة الاجتماعية في دعم ومساندة الوطن ومن ثم تعزبز دور أبناء المحروسة في الإسهام في إيجاد حلول هذه القضية الشائكة وخاصة في ظل تداعيات الصراعات الإقليمية وتجنبا لتفاقمها في المستقبل المنظور.
وفي هذه السياق قال النائب “محمد سمير بلتاجي”، عضو لجنة الشئون الاقتصادية بمجلس النواب، إنه بصدد التقدم بمقترح، يتضمن مبادرة مجتمعية موسعة تستهدف تسديد ديون مصر الخارجية خلال شهر واحد، عبر مشاركة شريحة محددة من المواطنين القادرين.
وأوضح في بيان له: أن المقترح يقوم على مساهمة نحو 5% من الشعب المصري، من خلال تبرع كل فرد منهم بمليون جنيه، مؤكدًا أنه سيكون أول “المتبرعين”، في إطار تحمل المسئولية الوطنية ومساندة الدولة في مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة، مؤكدا أن المقترح لا يزال قيد الإعداد والدراسة تمهيدًا لطرحة رسميا خلال الفترة المقبلة.
وكثر الجدل حول هذا المقترح، فالبعض يراها مجرد اقتراحات غير عملية ومجرد “هبد”، ولا طائل منها أو فائدة حقيقية.
وفي تقديري أنها دعوات إيجابية يمكن مناقشتها من مختلف الابعاد في أطرها وسياقتها الواقعية وبحثا عن آليات للتنفيذ الفوري!وهناك تجارب دولية وإفريفية اعتمدت على فكرة تبرع المواطن كعنصر فاعل في دعم وطنه إما بالترشيد أو تفعيل فكرة التبرع “الاختياري”، أو “الاجباري” وزيادة معدلات الضرائب لدي فئة من أرباب الأعمال والأغنياء ومن استطاعوا تحقيق ثروات طائلة من بعض الميزات والتسهيلات التي قدمتها الدولة أو السيطرة شبه المطلقة علي انتاج سلعة ما أو احتكار بعض الخدمات، ويري البعض أنه قد آن الأوان لتصحيح هذا المسار.
كما يطرح البعض ضرورة أن يتبرع كل اعضاء مجلس الشعب والشوري بمرتباتهم لمدة سنة علي الاقل ويكفيهم ميزات “الحصانة”، وان يتبرع كل الوزراء ورؤساء الهيئات ورؤساء المؤسسات بنصف رواتبهم لمدة سنة.
كما دعا البعض نجوم الرياضة والفن والاعلام والطب وكل من يزيد دخله عن خمسة مليون في السنة للإسهام في هذا العمل الوطني وتقريب المسافات وتسديد “بعض” أو “كل ديون مصر الداخلية والخارجية.
!
وأتصور أيضا أن للطيور المهاجرة دورا مهما في هذا السياق ورد الجميل للوطن والوقوف معه في أوقات المحن، فلو خصص غالبية المصريين في الخارج مبلغا للتبرع او علي سبيل الوديعة بالدولار تحت مسمي “صندوق دعم الوطن” فالنتائج ستكون مبهرة بكل تأكيد وبإمكان البعض استرداد ما أودعه من أموال وفقا لمعايير ولوائح يمكن التوافق عليها.
ومن المهم تعزيز آليات فعالة لتعزيز هذه التبرعات وتعظيم فوائدها عبر أنماط من الاستثمارات طويلة الأجل عبر وزارة الدولة للهجرة واتحادات المصريين في مختلف بلدان العالم.
ومن الحقائق المبهحة في هذا الشأن أن عدد المصريين في الخارج، يُقدّر بنحو 14 مليون نسمة وفقاً لتصريحات وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج في عام 2024، بينما تشير تقديرات أخرى للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى حوالي 11 إلى 11.
8 مليون مهاجر حتى نهاية عام 2022.
وتتركز النسبة الأكبر منهم في الدول العربية وخاصة الخليجية (السعودية، الأردن، الإمارات، الكويت).
كما تعد تحويلات المصريين بالخارج مصدراً رئيسياً للنقد الأجنبي، وقد سجلت مستويات قياسية في 2025، بعد القضاء علي السوق الموازي للتجارة العملة الصعبة.
وتستضيف الدول العربية حوالي 63% إلى 70% من إجمالي المغتربين، وتتصدر السعودية الدول العربية، ويتواجد في أمريكا الشمالية وأوروبا حوالي 30% من المغتربين، أبرزهم في الولايات المتحدة”حوالي 1.
5 مليون”، كندا، إيطاليا، وأستراليا.
إن جدلية “التبرع”، و”المتبرعين” مقاربة مجتمعية تتطلب حكمة المواءمة وإدارك التحديات التي تواجه الوطن بنظرة ثاقبة للحاضر وآفاق المستقبل، مع استيعاب دروس الماضي حلوه ومره.
وعلي الجانب الآخر ترسيخ ثقافة الترشيد وإرادة “الصمود المجتمعي” في مواجهة المحن و”الملمات”، وتحديد “الأولويات” علي مستوي الأفراد والمؤسسات الحكومية، ومراجعة كافة المشروعات التنموية والاهتمام بالمشروعات “الإنتاجية”، وتوظيف الطاقات المبدعة والعقول البارعة.
وأتصور أنه من الحكمة مناقشة تلك الأفكار المبدعة والأطروحات، والبدائل ونقائضها فالتفاعل بين المتناقضات يصل بنا حتما إلى “حقيقة” جديدة ومقاربات “مقنعة” في عالم متغير بين لحظة وأخرى.
وغني عن القول ومن منطق الأمور الصائب، ألا نطالب المواطنين “البسطاء” الإسهام في “التبرع ” فهذا نوع من عدم اللياقة، فقد تحملوا كثيرا وصبروا وتجرعوا مرارات الإصلاح الاقتصادي وتداعيات شروط البنك الدولي، وانحازوا مؤخرا لما أعلنته الحكومة المصرية حول تدشين السردية الوطنية للتنمية والإصلاح، بحلول بدائل مصرية “بحتة” وبإمكانه هؤلاء فقط الإسهام في إعادة التفكير في أولويات قائمة النفقات اليومية والشهرية والإسهام في منظومة ترشيد الطاقة وانتهاج السلوكيات “الفاعلة” في هذا الشأن.
وتبقي الحقيقة أن حماية مكتسبات الوطن وما تحقق من إنجازات تتطلب تكاتف الجميع، للخروج من هذه المحن ولتظل راية أرض الكنانة بلد الامن خفاقة عزيزة، ولن تبني مصر وتمضي قدما، إلا بجهود وعطاء أبنائها “اللامحدود”.
وتحيا مصر ولو كره الكارهون.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك