«ستموت حضارة بأكملها الليلة.
ولن تعود أبداً» هذا ما نشره ترامب ليضاف إلى قائمة طويلة من التهديدات العنجهية، والمهل الموجّهة ضد إيران والتي سيتراجع عنها في ما بعد، كما يفعل في معظم الأحيان.
حتى إنه صار يعرف بـ «ترامب تاكو» TACO، وهي الأحرف الأولى من جملة (Trump always chickens out) ومعناها: ترامب دائماً يجبن (يتراجع).
وشمل التهديد تدمير محطات الطاقة والجسور في إيران بأكملها.
وقبلها كان قد استخدم جملة «سنعيدهم إلى العصر الحجري وهو مكانهم» وكرّرها وزير حربه الإنجيلي المتطرّف، هيغسيث وكذلك المتحدثة باسم البيت الأبيض.
قوبلت هذه التهديدات البربرية والهمجية بغضب واستهجان عالميين، وبالذات في الولايات المتحدة، حيث صُدِمَ الكثيرون من جديد.
واللافت في هذه الصدمات المتكررة، وهي إشكالية مزمنة في مقاربة الديمقراطيين والليبراليين وغيرهم لظاهرة ترامب وخطابه، أنها إما تجهل أو تتجاهل أن ترامب يكرر هنا ما كان قد قاله قبله أمريكيون مدنيون وعسكريون، وهم يهددون ويتوعدون قبيل حروب سابقة أو أثناءها.
فنحن نذكر ما قاله وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر، لطارق عزيز وزير خارجية العراق قبيل شن حرب الخليج 1991، «سنعيدكم إلى العصر ما قبل الصناعي»، وكانت بعدها الحرب التي شنّت بحجة تحرير الكويت من الغزو العراقي، لكنها دمّرت البنية التحتية للعراق من جسور ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وتصفية المياه، وهو ما تفعله الولايات المتحدة وإسرائيل الآن في إيران.
وهي الحرب التي أعقبها حصار إبادي دمّر ما لم تدمره القنابل.
صورة إيران في المخيال الأمريكي، عموماً، لا تحيل إلى ثقافة غنيّة ولا إلى تاريخ معقد، بل تُخْتَزل، استشراقياً، بالنظام الحاكم ورموزه وقمعه للانتفاضات والتذكير الدائم بأزمة الرهائنويمكن العودة إلى حرب فيتنام والحرب العالمية الثانية لنجد مقولات مشابهة ومطابقة لمسؤولين أمريكيين وجوهرها إخراج شعب ما وبلد بأكمله من الزمن الحاضر/الحديث، وتأخيره عقوداً أو قروناً.
إذن ما يقوله ترامب ليس غريباً على قاموس الساسة الأمريكيين وتاريخ الإمبراطورية وأفعالها ولا هو غلوّ أو تطرّف.
لعل وجود وسائل التواصل الاجتماعي وإفراط ترامب في الثرثرة وأسلوبه الفج والمبتذل وعوامل أخرى تجعل ما يقوله يبدو صارخاً.
وقد أشار عدد من المعلقين والمراقبين إلى الصمت المطبق للغالبية العظمى من النخبة السياسية، وبضمنهم رؤساء سابقين، وعدم تعليقهم على تهديد ترامب الوحشي.
فغرّد بيل كلينتون عن حدث رياضي وغرّز أوباما عن شأن داخلي.
ولعل ما أضافه ترامب إلى هذا الخطاب الأمريكي، هو مفردة «حضارة»، التي لم يتكرّم الذين سبقوه باستخدامها في وعيدهم.
وثمة تناقض، فكيف يكون مكان حضارة عظيمة في العصر الحجري.
ويبدو أن ترامب الذي يمضي أوقاتاً طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي، قد اطلع على ما يُنشر مؤخراً من معلومات وصور عن حضارة إيران العريقة وتاريخها الثقافي، أو لعل أحد مساعديه أخبره بذلك.
فصورة إيران في المخيال الأمريكي، عموماً، لا تحيل إلى ثقافة غنيّة ولا إلى تاريخ معقد، بل تُخْتَزل، استشراقياً، بالنظام الحاكم ورموزه وعمائمهم وقمعه للانتفاضات والتذكير الدائم بأزمة الرهائن.
وقد أعيد إلى المعادلة والواجهة في الشهور الأخيرة ابن الشاه المخلوع بالطبع، لكي يشير إلى زمن الشاه وتلك الحقبة التي كانت إيران فيها حليفة للولايات المتحدة قبل الثورة في 1979، وبالتالي كانت جنة بالطبع! لكن رضا بهلوي أدى دوره المؤقت للتحشيد والتأليب لشن الحرب وانتهت صلاحيته سياسياً.
وإذا كان غريباً أن تُذْكر «حضارة» البلدان التي تحاربها الولايات المتحدة من قبل بعض اليمينيين والفاشيين، فإن أولئك الذين يقفون على الضفة الأخرى سياسياً غالباً ما يستحضرون الغنى الثقافي والحضاري للشعوب والبلدان المستهدفة في الحروب الأمريكية والتي تُنْزع إنسانيتها، لينددوا بالحروب وبجهل الذين يدقّون طبولها ويصدرون القرارات بشنّها.
على سبيل المثال، في الأسبوع الأول من غزو العراق في 2003 نشرت صحيفة «الغارديان» تحقيقاً من أحد مراسليها الذي كان يرافق وحدة أمريكية كانت قد دخلت أراضي العراق.
وقال أحد الجنود للصحافي: «نحن نسوق في الصحراء منذ ساعات ولم أر «مول» (مجمع أسواق) ولا محل وينديز (للوجبات السريعة).
ألا يمتلك هؤلاء الناس أي شيء؟ »، وعلّق الصحافي، أن الوحدة كانت على بعد ساعة من أور، واحدة من أولى المدن في العالم.
يكشف تساؤل الجندي الكثير عن مفهومه للثقافة والحضارة: مظاهر ورموز ومؤسسات الثقافة الاستهلاكية والرأسمالية.
وكل ما هو غير ذلك تخلّف عن ركب الحضارة.
وبغض النظر عن نوايا الصحافي الطيبة، فثمة إشكالية في التذكير المستمر بعراقة الحضارة والثقافة والتاريخ البعيد، لأن ذلك يحجب، ويهمّش، ثقافة غنية وإنجازات «حضارية» في العصر الحديث، في بلدان مثل العراق أو إيران.
هناك من يضع صوراً لقصور أصفهان وشيراز والزخارف والموسيقى والشعر، لكن في قائمة ما قصف ودمّر في العدوان الإسرائيلي الأمريكي أكبر مصنعين للحديد والصلب في إيران وهما: مصنع فولاذ خوزستان في الأهواز، ومصنع فولاذ مباركة بأصفهان، وهو أحد أكبر مصانع الصلب في الشرق الأوسط.
كما قصف معهد «باستور» الذي تأسس عام 1920، وهو أوّل وأقدم مركز للصحة العامّة في إيران ومن المؤسسات الرائدة عالمياً في تطوير اللقاحات وإجراء البحوث بشأن الوقاية من الأمراض المعدية.
قصفت إسرائيل معبداً يهودياً في طهران وصدم البعض: يهود يعيشون في إيران؟ وكأنها تقول لليهود في الشتات لا حياة لكم ولا تستحقونها إلا في دولة الإبادة الصهيونية.
ونعود إلى مفارقة أساسية في تمثيل الزمن في الخطاب الاستعماري وممارساته.
تُصَوّر الشعوب والحضارات الأخرى على أنّها تشكو من جمود، وأنها راكدة في ماضٍ توقف عن التطور، فيأتي، لحسن الحظ، الغرب الحديث المتقدّم لينقذها من الجمود والركود ويدخلها في سياق الحاضر الديناميكي لتلحق بركب العصر.
الحروب الاستعمارية تنتشل الشعوب والبلدان المتأخرة من جمود الماضي لتعجل بدخولها إلى الحاضر، لكنها، عند الضرورة، قد تهدد بإعادة الشعوب والدول المارقة إلى الماضي ونفيها بالقنابل والصواريخ، ذكية وغبية.
والحقيقة هي أننا جميعاً نعيش على هذا الكوكب في زمن واحد أحد، لا مفر منه.
زمن الرأسمالية المتوحشة وخطر التطبيع مع حروبها وإباداتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك