إسرائيل.
التمدد الأجوف في المحيط الساكن!ربما تولد الدول، وتتقلب في البلاد وعلى بساط الكون حينا من الزمن، فإذا ما جاء زمان أفولها صارت كأنها لم تكن، أو كما قيل: " حلما في الكرى أو خلسة المختلس".
ذلك أن الحضارات والإمبراطوريات والدول، على المستويات العظيمة والبسيطة، تقاس بما كان لها من أثر حضاري وقيمي وثقافي ومدني ممتد عبر التاريخ؛ فربما فنيت ولم تفن ثقافتها ولا إرثها الحضاري.
فها هي ثقافة اليونان، وحضارة الرومان، وكذلك حضارة الفرس، وأخيرا حضارة الإسلام، ذهب قوامها المدني، لكن بقيت قيمها وقوامها الثقافي والعلمي والأدبي.
أما إشعال الحروب وإفساد مقدرات البشر، فهذا ما نراه يتقنه البشر حين تستحوذ على نفوسهم قيم الشر، ويخرجون من جبلة الإنسانية إلى جبلة الشياطين.
أما هذا الكيان المستولد، لا من رحم الأرض الطبيعية بل من رحم الشقاء، فقد جاء ليشعل حروبا، ويحطم أبنية، ويقوض مقدرات حضارية تعبت في تشييدها العقول والأفهام حينا من الزمن.
فهل امتلاك الآلة العسكرية على حين غفلة من الدهر يقطع بكينونة الدول، أو يعين على استمرارها؟الدراسات الديموغرافية تزعم أن معدل النمو الفلسطيني يزيد عن 2.
5%، مما يوحي أن الكيان البشري الفلسطيني، بعيدا عن العوامل الصدامية الأخرى، يستطيع أن يبتلع المجتمع الإسرائيلي في غضون سنوات معدودة، دون الحاجة إلى تحريرلقد ولدت إسرائيل في هذا المحيط العربي المسالم، والذي تحولت حاله بعد حين من الدهر، امتد ما يقرب من ألف عام، كان فيه محيطا حركيا يحكم نصف العالم، ويدير النصف الآخر، وذلك بما أوتي من قوة تقودها حكمة، ومن عقل تحكمه شرعة سماوية، ميزانها العدل والقيام بالقسطاس المستقيم.
وقد ظل بهذا الزخم التاريخي المتفرد حينا من الزمن، حتى أصابه ما أصاب الحضارات والإمبراطوريات من سنن التبديل والتغيير والاستبدال.
تحول هذا المحيط العربي من الصفة الحركية إلى الصفة الساكنة، ومن الحال الفاعلة إلى الحال المفعولة، لكنه ظل محتفظا بمنظومة متوارثة من القيم الأخلاقية والأدبية والحضارية، التي صبغته بها حضارته الإسلامية، وما استلهمه من بدع الحضارات الإنسانية الأخرى، حتى أثرى البشرية بهذه المنظومة القيمة الراسخة.
وحين استولد هذا الكيان، وأمدته المقادير بهذا الحبل الإلهي والبشري {إلا بحبل من الله وحبل من الناس} من صنوف العطايا المادية والاقتصادية والعسكرية، لم يشأ أن يستكمل لبنة في هذا البناء الإنساني المتكامل، أو يضيف إلى صرح الحضارة الإنسانية المتألق.
لم يجد في جعبته من الموروث التاريخي إلا هذه الحروب المتفاوتة، التي أشعلها منذ عام 1948 وحتى الآن على مستوى المحيط الإقليمي بنفسه، ثم على المحيط العالمي بالسعي والتحريض وإطلاق الشرارات الأولى، كما حدث في حرب إيران الأخيرة في 28 فبراير/شباط 2026.
إن الصراع الإسرائيلي، منذ قيام" إسرائيل" وحتى الآن، لم يزل متمحورا حول الحفاظ على فكرة" الوجود"، ولم يخرج حتى الآن إلى حيز" التوسع"، رغم مرور ما يقرب من 78 عاما على وجودها، دون أن يبدأها أحد من الجوار بالحربإن المخيلة التاريخية الزائفة هي التي ساهمت في تشكيل وتكوين هذه الشخصية الصهيونية الحديثة، التي نتج عنها هذا السلوك العدائي التصادمي تجاه الجيران والمجتمع الدولي؛ إنها هذه المخيلة المتمثلة في كثير من المبادئ والبروتوكولات، مثل:" شعب الله المختار" … {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه}.
" أحقية الوطن القومي اليهودي الممتد من النيل إلى الفرات" في سفر التكوين؛ حيث يذكر عهد الله لإبراهيم: " في ذلك اليوم عقد الله ميثاقا مع أبرام قائلا: سأعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات (19) أرض القينيين والقنزيين والقدمونيين (20) والحثيين والفرزيين والرفائيين (21) والأموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين".
وفي سفر التكوين (15: 18): " في ذلك اليوم قطع الرب مع إبراهيم ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات" (موسوعة ويكيبيديا).
الموروث الجغرافي التاريخي المتمثل في مملكة داود وسليمان (مملكة إسرائيل الموحدة من 1050 ق.
م.
حتى 930 ق.
م.
)، وتزعم المصادر، حسب تقديرات دارسي العهد القديم، أن هذه الدولة لم تدم أكثر من مائة عام، حتى انقسمت إلى مملكة الشمال (السامرة)، ومملكة الجنوب (أورشليم)، ولم تستحوذ على كامل فلسطين.
إن التوسع الإمبريالي والإمبراطوري الزائف، الكامن في المخيلة اليهودية، شبه مستحيل وفق القراءة التاريخية العميقة، بالمقارنة مع ما تقوم به أو قامت عليه الإمبراطوريات قديما وحديثا.
وعلى رأس هذه الموانع العنصر البشري والتأثير الديموغرافي، الذي يقطع بأن معدل النمو البشري اللازم لاستمرار حضارة ما يجب ألا يقل عن 1.
8% من التعداد السكاني، بينما معدلات النمو داخل المجتمع الإسرائيلي لا تتعدى 1%، بل هي أقل من ذلك، وهو ما يقطع باستحالة الاستمرار الحضاري.
كما أن الدراسات الديموغرافية تزعم أن معدل النمو الفلسطيني يزيد عن 2.
5%، مما يوحي أن الكيان البشري الفلسطيني، بعيدا عن العوامل الصدامية الأخرى، يستطيع أن يبتلع المجتمع الإسرائيلي في غضون سنوات معدودة، دون الحاجة إلى تحرير.
كما أنه في حالة الحرب والانتصار على المحيط العربي، لن تكون هناك كفاءة بشرية لاستيعاب هذا المحيط العربي تحت الحكم الإسرائيلي؛ بل إن إسرائيل حتى الآن لم تستطع السيطرة على كامل التراب الفلسطيني، واستعصت عليها غزة (مساحتها 365 كم2)، فكيف بالعالم العربي؟الدول لا تقوم استنادا على المخيلات التاريخية أو العقدية، ولا على الفكرة الحديثة الطارئة، إنما يستلزم أن يدعمها العنصر البشري اللازم، ومن ورائه ثقافة وحضارة ومنهج يستوعب أهل الحضارة بكليتهم… فأنى لهم ذلك؟ !إن الصراع الإسرائيلي، منذ قيام" إسرائيل" وحتى الآن، لم يزل متمحورا حول الحفاظ على فكرة" الوجود"، ولم يخرج حتى الآن إلى حيز" التوسع"، رغم مرور ما يقرب من 78 عاما على وجودها، دون أن يبدأها أحد من الجوار بالحرب.
كما أنها ما زالت على قناعة باستخدام الحروب الخاطفة، أو الحروب بالوكالة، نظرا لأنها لا تقوى على خوض حرب طويلة المدى، أو الاستقرار في بعض المناطق التي سبق احتلالها، كغزة أو جنوب لبنان.
أما بالنسبة للموروث الثقافي والحضاري، فليس في جعبة الكيان ما يقدمه للبشرية حال الاحتلال وتحقق الفكرة التوسعية.
لقد احتل المغول أكثر العالم الإسلامي من شماله إلى شرقه أثناء الخلافة العباسية، لكنهم لم يتمكنوا من الاستمرار في حكم هذا العالم تحت غطاء القوة، وغلبت ثقافة الإمبراطورية الإسلامية قوة المغول وسطوتهم، حتى دخلوا في الإسلام أفواجا، وتغيرت الهوية المغولية إلى هوية إسلامية.
فما هي الثقافة اليهودية المرتقب أن يحملوها للأوطان المحتلة أو المنضمة؟فالدول لا تقوم استنادا على المخيلات التاريخية أو العقدية، ولا على الفكرة الحديثة الطارئة، إنما يستلزم أن يدعمها العنصر البشري اللازم، ومن ورائه ثقافة وحضارة ومنهج يستوعب أهل الحضارة بكليتهم… فأنى لهم ذلك؟ !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك