القدس العربي - سوريا.. ضبط مليوني حبة كبتاغون معدة للتهريب وتوقيف شخصين بطرطوس سكاي نيوز عربية - تأهب وأوامر إخلاء.. ماذا حدث في محطة الفضاء الدولية؟ القدس العربي - مكتبة قطر تطلق دورات «مفاتيح فلسطين» لتوثيق التجارب اليومية القدس العربي - البنك الدولي يقرّ تمويلا بـ900 مليون دولار لتطوير الطرق في العراق القدس العربي - وزارة البيئة العراقية تتعهد باستعادة دورها الرقابي والتنفيذي رويترز العربية - أمريكا: فرضنا عقوبات على شبكة لتهريب غاز البترول المسال الإيراني قناه الحدث - الوكالة الذرية: إصابة جنود روس بقصف قرب محطة زابوريجيا النووية القدس العربي - وزير المالية: الانهيار هو وضع الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية قناة الجزيرة مباشر - مجمع ناصر الطبي: استشهاد فلسطينيين اثنين في غارة إسرائيلية على خيام النازحين في خان يونس beIN SPORTS-YouTube - زفيريف يتخطّى عقبة منشيك ويبلغ النهائي
عامة

تحقيق لـ"الغد" يكشف غياب الدعم النفسي لطلبة الطب

الغد
الغد منذ 1 شهر
3

عمان- لدى بعض الطلبة. . يكون الطريق إلى الطب حلماً واضح المعالم، قبل أن يتحول إلى تجربة قاسية تتداخل فيها الضغوط الأكاديمية مع العزلة وفقدان الدافعية.في بداية الرحلة يسيطر الشغف ومباركة المحيطيين با...

ملخص مرصد
كشفت تحقيقات صحفية غياب الدعم النفسي لطلبة الطب في الأردن، حيث يعانون من ضغوط أكاديمية وعزلة وفقدان دافعية، ما دفع بعضهم إلى اللجوء للعلاج خارج الجامعات. طالب في مرحلة الامتياز وصف بيئة التعليم بـ"المستهلكة للطاقة النفسية" بسبب كثافة المواد والمعاملة القاسية من بعض أعضاء الهيئة التدريسية. وأكد أن خدمات الدعم النفسي داخل الجامعات "حبر على ورق" رغم انتشار المشكلات النفسية بين الطلبة.
  • طلبة الطب في الأردن يعانون من ضغوط نفسية شديدة بسبب كثافة المواد والمعاملة القاسية
  • خدمات الدعم النفسي داخل الجامعات توصف بأنها "حبر على ورق" ولا تقدم حلولاً حقيقية
  • طالب الطب وصف بيئة التعليم بأنها "مستهلكة للطاقة النفسية" وتفتقر للدعم النفسي الفعال
من: طلبة الطب في الجامعات الأردنية أين: الأردن

عمان- لدى بعض الطلبة.

يكون الطريق إلى الطب حلماً واضح المعالم، قبل أن يتحول إلى تجربة قاسية تتداخل فيها الضغوط الأكاديمية مع العزلة وفقدان الدافعية.

في بداية الرحلة يسيطر الشغف ومباركة المحيطيين بالطالب، قبل أن يتحوّل تدريجيًا إلى عبء ثقيل يتسلل إلى تفاصيل يومه، ويعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالعالم من حوله.

في إحدى قاعات المحاضرات، أولى بدايات التغيّر.

لم يكن الأمر مجرد ضغط دراسي عابر، بل سلسلة متراكمة من المواقف التي يصفها أحد طلبة الطب لاحقًا بـ”المنهكة نفسيًا”، خاصة مع تكرر احتكاكه بعضو هيئة تدريس كان يدرّسه أكثر من مادة على مدار فصول متتالية.

مع الوقت، لم يعد الخوف مرتبطًا بالامتحانات فقط، بل صار حاضرًا في كل تفصيلة: في حضوره، في صوته، وحتى في محاولاته للتركيز.

تدريجيًا، انكمش عالمه.

ابتعد عن أصدقائه، فقد اهتمامه بما كان يحب، وغرق في عزلة صامتة لم يلحظها كثيرون.

كانت أيامه تمر مثقلة بثقل لا يُرى، إلى أن وجد نفسه يواجه أفكارًا قاسية عن جدوى الاستمرار، دون أن يمتلك دائمًا القدرة على مقاومتها.

لفترة طويلة، لجأ إلى المهدئات وأدوية الاكتئاب، في محاولة للتماسك وسط ما كان يصفه بـ”الانهيار البطيء”.

لم تكن الرحلة سهلة، ولم تبدأ ملامح التغيير إلا حين تدخل أحد معارفه، وفتح له بابًا للعلاج النفسي خارج أسوار الجامعة، حيث بدأت رحلة مختلفة… نحو التعافي.

اليوم، يقف هذا الطالب على مسافة من تلك المرحلة، محاولًا فهم ما حدث، ومشاركة قصته، ليس فقط كحكاية شخصية، بل كجزء من واقع أوسع يعيشه كثيرون بصمت داخل كليات الطب في الجامعات الحكومية.

بيئة تعليمية تنهك الطلبة وتستنزف طاقاتهمتبدأ خيبة الأمل “منذ اللحظة الأولى”، يقول طالب في مرحلة الامتياز في إحدى الجامعات الحكومية في إقليم الوسط، مستعيدًا لحظة دخوله كلية الطب بمعدل 99.

4، حين اعتقد أنه صار “واحدًا من نخبة طلبة الوطن” كما يقول.

لكن الواقع، كما يصفه، كان مختلفًا تمامًا: “كل شيء كان عكس التوقعات… الواقع يختلف 180 درجة”.

منذ السنوات الأولى، وجد نفسه وزملاءه في مواجهة منظومة تعليمية تفتقر، بحسب روايته، إلى أي شكل فعلي من أشكال الدعم النفسي.

ثلاث دفعات جامعية متتالية عاشت تداعيات جائحة كورونا، والتعليم عن بعد، وتراجع التدريب العملي، دون وجود من يساندهم أو حتى يسأل عن أحوالهم.

“واجهنا كل ذلك وحدنا”، يقول.

يتحدث الطالب عن “معاملة فظة” من بعض أعضاء الهيئة التدريسية، تصل أحيانًا إلى حد الإهانة والتوبيخ والتقليل من قيمة الطلبة، إلى جانب كثافة المواد والزخم الدراسي المستمر.

“طوال دراستي، أذكر خمسة دكاترة فقط كانوا يتعاملون معنا بإنسانية”، يضيف.

أما خدمات الدعم النفسي داخل الجامعة، فيصفها بأنها “حبر على ورق”.

لم يشاهد، كما يقول، طبيبًا أو اختصاصيًا نفسيًا يقدم دعمًا فعليًا، رغم ما تعرض له كثير من الطلبة من انتكاسات نفسية دفعت بعضهم إلى اللجوء للعلاج خارج الجامعة وعلى نفقتهم الخاصة.

وفي بيئة لا تراعي، بحسب روايته، الظروف الإنسانية، يشير إلى حالات لطلبة أُجبروا على إعادة سنة كاملة بسبب تغيبهم عن امتحانات في ظروف قاهرة، مثل وفاة أحد الوالدين، ما عمّق من شعورهم بالعجز والضغط.

مع محدودية فرص الاختصاص داخل الأردن وارتفاع تكلفتها في الخارج، يجد خريجو الطب أنفسهم في سباق طويل ومرهق، بينما يشاهدون أقرانهم في تخصصات أخرى وقد أنهوا دراساتهم العليا وبدأوا حياتهم المهنية، في وقت ما يزال فيه أطباء الامتياز يقدمون خدمات غير مدفوعة.

“بتدخل الجامعة فرحان، وثقتك بنفسك عالية… وكل يوم بكلية الطب تهتز هذه الثقة”، يقول، واصفًا نظامًا تعليميًا “يستهلك الطاقة النفسية”، حيث “العقل يعمل على مدار الساعة”، في ظل بيئة لا تخلو، بحسب روايته، من إطلاق أوصاف جارحة بحق الطلبة.

وهذه الصورة لا تختلف كثيرًا لدى طلبة آخرين، فإحدى طالبات السنة الخامسة في جامعة حكومية أخرى في إقليم الوسط، تؤكد أن الضغط النفسي يبدأ من حجم المواد وكثافة المعلومات، مرورًا بالامتحانات المتواصلة، وصولًا إلى القلق المستمر من الفشل.

وتشير إلى أن غياب الدعم أو عدم توفره بشكل كافٍ يترك الطلبة في مواجهة مباشرة مع هذه الضغوط، ما يدفع بعضهم إلى الانسحاب من مواد أو التغيب عن التدريب بعد تعرضهم لمواقف محرجة أو قاسية.

ويتدرج طالب الطب في سنواته الدراسية الستة التي تتبعها سنة امتياز، حيث يبدأ بمواد عامة في العلوم (مشتركة) مع تخصصات أخرى ليبدأ بعد ذلك مرحلة الدخول في مرحلة مواد التخصص، ثم ينتقل إلى مرحلة التطبيق “السريري”.

الدعم النفسي بين الغياب والتعطيلورغم وجود مرشدة نفسية في الجامعة، إلا أن دورها، بحسب الطالبة نفسها، يبقى محدودًا، وإن كان قد أتاح لبعض الطلبة مساحة للتعبير عن مشاعرهم.

في المقابل، تنتقد ما تصفه بعدم مراعاة بعض أعضاء الهيئة التدريسية للظروف النفسية، “وكأن الطالب آلة”، على حد تعبيرها.

وتلفت إلى أن بعض الطلبة وصلوا إلى مراحل متقدمة من الاكتئاب “دفعتهم للتفكير بالانتحار”، في ظل غياب تدخل مؤسسي فعّال، بينما كان دعم الزملاء أحيانًا هو الحاجز الوحيد أمام تفاقم هذه الحالات.

أما طالبة السنة السادسة في إحدى الجامعات الحكومية في إقليم الجنوب، فتذهب أبعد من ذلك، واصفة مستوى الرعاية النفسية في الجامعة بـ”الصفر”.

وتقول إن آثار المعاملة القاسية والتنمر لا تنتهي مع التخرج، بل تبقى “عالقة في الذاكرة لسنوات”، مشيرة إلى أن بعض الأقسام السريرية تحولت إلى مصدر “رهبة” لدى الطلبة بسبب طبيعة التعامل داخلها، مضيفة: “كنا نهنئ بعضنا بالسلامة بعد الانتهاء من بعض الأقسام”.

وتضيف أن ابتعاد كثير من الطلبة عن أسرهم للدراسة في محافظات أخرى يزيد من وطأة العزلة والضغط النفسي، في ظل غياب منظومة دعم حقيقية، لافتة إلى أن بعض الطلبة لجأوا إلى استخدام أدوية نفسية دون إشراف طبي.

وتختتم بعبارة تختصر المشهد: “العبء النفسي يلازم طالب الطب من أول يوم… وبعد التخرج يُترك وحيدًا”.

اكتئاب وقلق.

أعراض تتصاعد بصمتفي جولات ميدانية ومقابلات موسعة، التقت “الغد” بعشرات طلبة الطب من مختلف الجامعات الحكومية في الأردن، الذين أجمعوا على غياب الرعاية النفسية الفاعلة داخل كلياتهم.

وأكد عدد منهم عدم وجود أقسام متخصصة بالدعم النفسي من الأساس، فيما أشار آخرون إلى أن الطلبة يواجهون الأعباء الدراسية والنفسية بشكل فردي، دون أي إسناد مؤسسي حقيقي.

وبينما حاول بعضهم اللجوء إلى أقسام الإرشاد النفسي داخل الجامعات، أفادوا بأن هذه الأقسام، في حالات عدة، تفتقر إلى وجود مختصين مؤهلين، أو أنها غير مفعّلة فعليًا، بل ومغلقة أحيانًا.

في موازاة ذلك، يجد الطلبة أنفسهم مضطرين للتعامل مع الضغوط المتراكمة بمفردهم، أو البحث عن دعم خارج أسوار الجامعة، إن توفرت لهم القدرة على ذلك.

حوادث انتحار تعيد فتح الملف المسكوت عنهلم تمر حوادث الانتحار الأخيرة في أوساط طلبة الطب مرور الكرام، بل فجّرت موجة واسعة من الجدل والغضب، وأعادت إلى الواجهة ملفًا ظل لسنوات يُدار في الظل، فمع كل حادثة، لم يكن السؤال مقتصرًا على “ماذا حدث؟ ”، بل امتد ليشمل “لماذا يحدث هذا؟ ” داخل كليات يُفترض أن تُخرّج حماة الحياة.

هذه الحوادث، بثقلها الإنساني وصداها المجتمعي، لم تكشف فقط عن مآسٍ فردية، بل فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول واقع طلبة الطب في الأردن، والضغوط النفسية التي يواجهونها، في بيئة تعليمية وُصفت مرارًا بأنها قاسية، ومفتقرة إلى الحد الأدنى من الدعم النفسي المنظم.

ومع اتساع دائرة النقاش، انتقل هذا الملف سريعًا إلى الفضاء الرقمي، حيث تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة للبوح الجماعي.

هناك، لم يكتفِ طلبة الطب بالتعبير عن صدمتهم، بل بدأوا بسرد تجاربهم الشخصية، كاشفين عن ضغوط نفسية متراكمة، ومعاملة قاسية من بعض أعضاء الهيئة التدريسية، إلى جانب تحديات التدريب السريري داخل المستشفيات.

ومع انتشار خبر انتحار طالبة طب مؤخرا، ضجّت هذه المنصات بتفاعل واسع من طلبة الطب في الأردن، الذين وجدوا في الصدمة فرصة نادرة لكسر الصمت والتعبير عمّا يعيشونه يوميًا من ضغوط نفسية قاسية.

في مئات التعليقات والمنشورات، لم يكن الحزن وحده هو الحاضر، بل أيضًا الغضب والاعترافات المؤجلة؛ عن بيئة تعليمية وصفوها بأنها “مرهقة نفسيًا”، تتداخل فيها صعوبة المناهج والخوف المستمر من الرسوب، وثقافة تنافسية لا تترك مساحة للضعف.

آخرون ذهبوا أبعد من ذلك، كاشفين عن تجارب شخصية مع ما اعتبروه تنمرًا أو معاملة قاسية من بعض أعضاء الهيئة التدريسية، إلى جانب ضغوط إضافية خلال التدريب السريري داخل المستشفيات، حيث يواجه الطلبة، بحسب رواياتهم، تعاملًا قاسيًا من بعض الأطباء المشرفين.

وبين سطور هذه الشهادات، بدا واضحًا أن ما حدث لم يُقرأ كحادثة فردية، بل كجرس إنذار.

فمع تكرار مثل هذه الوقائع خلال السنوات الماضية، تصاعدت أصوات تطالب بمراجعة جذرية لبيئة التعليم الطبي ومنظومة الدعم النفسي، معتبرة أن هذه الحوادث كشفت عن مشكلة أعمق مما كان يُعتقد، مشكلة ظل كثير من الطلبة يعيشونها بصمت، إلى أن دفعتها المأساة إلى العلن.

خبراء: الانتحار نتيجة ألم نفسي قابل للعلاجفي قراءة أوسع لظاهرة الانتحار، يؤكد استشاري الطب النفسي الدكتور وليد سرحان أن الحديث عن هذه القضية لا ينبغي أن يُختزل في إطار الضعف الفردي أو الفشل الشخصي، بل يجب فهمه بوصفه تعبيرًا عن ألم نفسي قد يبلغ مستويات خطيرة إذا لم يُكتشف مبكرًا ويُواجه بجدية وكفاءة.

ويرى سرحان أن التعامل مع الانتحار في الأردن ما يزال في كثير من الأحيان أسير ردود الفعل، بدلًا من تبني مقاربة شاملة قائمة على الوقاية والصحة العامة، تقوم على تكامل الأدوار بين الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، والنظام الصحي، إلى جانب الإطار القانوني والمجتمعي.

ورغم تسجيل الأردن انخفاضًا في معدلات الانتحار بنسبة 17 % منذ عام 2019، وفق معطيات منظمة الصحة العالمية، إلا أن التحديات، بحسب سرحان، ما تزال قائمة، وفي مقدمتها الوصمة الاجتماعية، ومحدودية الموارد، وضعف جمع البيانات المتعلقة بالصحة النفسية.

ويشدد على أن الوقاية من الانتحار “ممكنة”، لافتًا إلى أن غالبية من يمرون بأزمات نفسية حادة لا يسعون إلى إنهاء حياتهم بقدر ما يبحثون عن وسيلة لإنهاء الألم.

“هؤلاء يحتاجون إلى احتواء وعلاج، لا إلى لوم أو تخويف”، يقول، داعيًا إلى التعامل مع الانتحار كقضية صحية ونفسية واجتماعية، لا كمسألة عقابية.

وفي هذا السياق، يشير إلى أن الأردن يمتلك إطارًا مؤسسيًا يمكن البناء عليه، من خلال الخطة الوطنية للصحة النفسية (2022–2026)، إلى جانب برامج تدريب أطباء الرعاية الأولية على تشخيص الاضطرابات النفسية، إلا أن التحدي يكمن في توسيع هذه الجهود وضمان فعاليتها على أرض الواقع.

ويؤكد سرحان أن تحسين الاستجابة لهذه الظاهرة يتطلب أدوارًا واضحة ومتكاملة من مختلف الجهات.

فعلى مستوى الدولة، يدعو إلى توسيع خدمات الصحة النفسية وجعلها متاحة ضمن الرعاية الصحية الأولية، بحيث لا تبقى محصورة في مراكز محدودة أو في المدن الكبرى فقط، مشيرًا إلى أن تدريب الكوادر الصحية خطوة مهمة لكنها بحاجة إلى استمرارية وتقييم.

أما في المستشفيات، فيشدد على ضرورة وجود بروتوكولات واضحة للتعامل مع الحالات المعرضة لخطر مرتفع، تتضمن التقييم النفسي الجاد، وخطط الأمان، والمتابعة المستمرة، بدل الاكتفاء بالتعامل مع الحالات عند لحظة الأزمة.

وعلى مستوى الأسرة، يصفها بـ”خط الدفاع الأول”، داعيًا إلى الإصغاء دون أحكام، والتعامل بجدية مع أي مؤشرات على اليأس أو العزلة، في ظل ما يصفه بسوء فهم شائع للمعاناة النفسية في المجتمعات العربية، التي تُفسَّر أحيانًا باعتبارها ضعفًا في الإيمان أو قلة صبر.

كما يحمّل المؤسسات التعليمية، بما فيها الجامعات، مسؤولية محورية في الاكتشاف المبكر للاضطرابات النفسية، من خلال تدريب الكوادر على رصد التغيرات السلوكية، وبناء بيئة تعليمية آمنة خالية من “التنمر والإذلال”، باعتبار ذلك جزءًا أساسيًا من الوقاية.

وفيما يتعلق بالإعلام، يحذر سرحان من خطورة التغطية غير المهنية، التي قد تساهم في تفاقم المشكلة، مؤكدًا أن الإعلام يمكن أن يكون أداة إنقاذ إذا ركّز على التوعية، وإبراز فرص العلاج، وتشجيع طلب المساعدة، بدلًا من الإثارة أو التبسيط.

كما يشير إلى دور رجال الدين وقادة المجتمع في كسر الوصمة وتعزيز خطاب الرحمة، مقابل الابتعاد عن الإدانة المجردة، في حين يدعو إلى مراجعة التشريعات المرتبطة بمحاولات الانتحار، بحيث لا تشكل عائقًا أمام طلب المساعدة، بل تركز على العلاج والتدخل النفسي والاجتماعي.

ويخلص سرحان إلى أن الحد من الانتحار في الأردن يتطلب برنامجًا وطنيًا متكاملًا، يقوم على رفع الوعي، وتحسين الوصول إلى الخدمات، وتدريب الكوادر، وتعزيز الدعم النفسي في المدارس والجامعات، إلى جانب تطوير أنظمة الرصد والبيانات.

“الانتحار ليس قدرًا لا يمكن منعه”، يقول، مؤكدًا أن حماية الإنسان تبدأ من الإصغاء لمعاناته، وتوفير الدعم له في الوقت المناسب، ضمن مسؤولية مشتركة بين جميع مؤسسات المجتمع.

المؤسسات بين الإقرار والواقعفي المقابل، يقدّم عميد كلية الطب في الجامعة الهاشمية، الدكتور محمد القضاة، قراءة مختلفة نسبيًا لواقع الصحة النفسية في كليات الطب، مؤكدًا أن إدارات الكليات الطبية والصحية في المملكة تضع هذا الملف ضمن أولوياتها، نظرًا لارتباطه المباشر بمخرجات العملية التعليمية، التي تهدف إلى تخريج كوادر قادرة على التعامل مع المرضى وتحمل ضغوط العمل في القطاع الصحي، والتي لا تقل وفق قوله عن ضغوط الدراسة نفسها.

ويصف القضاة الرعاية النفسية بأنها “ملف مهم وجدي”، مشيرًا إلى أنها أحد متطلبات الاعتماد الوطني للكليات الطبية، ما يعكس، من وجهة نظره، وجود اهتمام مؤسسي بهذا الجانب.

وفي تفسيره لما يواجهه بعض طلبة الطب من ضغوط نفسية، يلفت إلى أن جزءًا من المشكلة يعود إلى تأخر الطلبة في طلب المساعدة الأكاديمية أو النفسية، ما يؤدي إلى تراجع تحصيلهم الدراسي ودخولهم في حالات من القلق والتوتر، خاصة في بيئات تنافسية تعتمد على المقارنة بين الأقران، كما هو الحال في تخصصي الطب وطب الأسنان.

ويضيف أن الضغط الدراسي، رغم شدته، لا يُعد العامل الوحيد، بل يتداخل مع عوامل أخرى نفسية واجتماعية وعائلية، إلا أن كثيرين يميلون إلى اختزال المشكلة في العبء الأكاديمي وحده، دون النظر إلى جذورها الأعمق.

وحول آليات الدعم، يوضح القضاة أن الجامعة تتجنب توثيق بيانات الطلبة الذين يراجعون الإرشاد النفسي بأسمائهم أو أرقامهم الجامعية، في محاولة لطمأنتهم وتبديد مخاوفهم من أن تؤثر هذه المراجعات على فرصهم الوظيفية مستقبلًا، في ظل قناعات سائدة بين بعض الطلبة تربط بين طلب الدعم النفسي ومستقبلهم المهني.

ويشير إلى أن الإقبال على خدمات الإرشاد النفسي يشهد تذبذبًا من عام إلى آخر، متأثرًا إلى حد كبير بالصورة النمطية التي يتناقلها الطلبة فيما بينهم، ما قد يؤدي إلى عزوف بعض الدفعات عن طلب المساعدة، رغم جهود التوعية.

ويؤكد القضاة تسجيل حالات انسحاب أو تأجيل دراسي لطلبة لم تسمح لهم ظروفهم النفسية أو الصحية بالاستمرار، موضحًا أن بعض الكليات طوّرت آليات تتيح لهؤلاء الطلبة تأجيل دراستهم مؤقتًا إلى حين تلقي العلاج واستعادة قدرتهم على الانخراط في البيئة الأكاديمية.

وفي رده على وصف بعض الطلبة لبيئة التعليم الطبي بأنها “مرهقة نفسيًا بشكل يتجاوز الحدود الصحية”، يرى القضاة أن طبيعة القطاع الصحي عمومًا تنطوي على مستويات عالية من الضغط والاستهلاك النفسي، نتيجة التعامل المستمر مع المرضى، خاصة في الحالات الحرجة أو المزمنة، ما يجعل الإرهاق جزءًا من التجربة المهنية، وليس محصورًا في مرحلة الدراسة فقط.

ويضيف أن التحدي لا يكمن في تقليل ساعات الدراسة أو التدريب، بقدر ما يكمن في إدارتها وتنظيمها بشكل يحد من آثارها النفسية، مؤكدًا أن اكتساب الخبرة الطبية يتطلب التزامًا زمنيًا مكثفًا لا يمكن تقليصه.

وفي الوقت ذاته، يقرّ بوجود فجوة في رصد بعض الحالات النفسية مبكرًا، مشيرًا إلى أن التأخر في اكتشافها يزيد من تعقيدها ويطيل رحلة علاجها، وهو ما يستدعي، بحسبه، تعزيز آليات الاكتشاف المبكر داخل الجامعات.

وحول تعرض الطلبة للتضييق من قبل الهيئات التدرسية والتنمر والمعاملة السيئة يشير القضاة إلى أنه لا يمكن تعميم هذا الأمر على جميع الهيئات التدريسية، لافتا إلى أن أي شكوى بحق أحد الكوادر التعليمية تصل العمادة يتم التعامل معها بجدية تامة وقد تم إنهاء عقود بعض المدرسين بسبب ذلك.

ويدعو القضاة إلى تبني مقاربة أوسع على المستوى الوطني، من خلال زيادة أعداد الأطباء النفسيين، وتوسيع خدمات الإرشاد والعلاج النفسي في الجامعات والمراكز الصحية، إلى جانب تعزيز دور المرشدين النفسيين في المدارس، انطلاقًا من مؤشرات تفيد بأن جزءًا كبيرًا من الاضطرابات النفسية يبدأ في سن مبكرة.

كما يشدد على أهمية كسر الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية، وتوسيع برامج التوعية داخل كليات الطب، وتشجيع الطلبة على الانخراط في الأنشطة اللامنهجية، التي يرى أنها تسهم في تقليل احتمالية تعرضهم للمشكلات النفسية والأكاديمية.

ويخلص إلى أن تعزيز الصحة النفسية يجب أن يكون ضمن أولويات الدولة، عبر جهود متكاملة تشمل مختلف المؤسسات، لضمان بيئة تعليمية وصحية أكثر توازنًا واستدامة.

بدوره، أشار الناطق الإعلامي باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور مهند الخطيب، في رده على استفسار “الغد” حول برامج الدعم والرعاية النفسية في الجامعات الأردنية والسياسات الوطنية المتعلقة بها، إلى أن هذا الملف يُعد شأنًا أكاديميًا داخليًا في الجامعات والكليات، ولا يدخل ضمن اختصاص الوزارة أو مهامها التنظيمية وفقًا لأحكام القانون.

تُظهر دراسة أردنية حديثة منشورة في مجلة علمية محكّمة هي Middle East Current Psychiatry عام 2024، أن مستويات القلق والاكتئاب والأرق بين طلبة الجامعات مرتفعة بشكل لافت، حيث شملت العينة 1181 طالبًا من تخصصات طبية وغير طبية، وخلصت إلى أن هذه الاضطرابات النفسية ليست حالات فردية عابرة، بل نمط واسع الانتشار داخل البيئة الجامعية.

وفي مقابل هذه النتائج العلمية، تتداول صفحات طلابية على مواقع التواصل الاجتماعي أرقامًا مرتفعة حول الصحة النفسية لطلبة الطب، دون إسنادها إلى مصادر علمية منشورة، ما يعكس اتساع القلق بين الطلبة، حتى خارج الأطر البحثية الرسمية.

ورغم الصورة النمطية التي تربط الضغط النفسي بطلبة الطب تحديدًا، أظهرت النتائج أن الطلاب غير الطبيين سجلوا مستويات أعلى من القلق والاكتئاب والأرق مقارنة بطلاب الطب، ما يشير إلى أن الأزمة أوسع من حدود كلية الطب وحدها، لكنها تبقى حاضرة وبقوة داخلها أيضًا.

لكن أهمية هذه النتائج لا تتوقف عند حدود الصحة النفسية فقط، بل تمتد إلى زاوية أكثر خطورة، إذ تشير الأدبيات الطبية العالمية إلى أن الاكتئاب غير المعالج والقلق المزمن واضطرابات النوم تعد من أبرز العوامل الممهدة للأفكار الانتحارية، خاصة لدى فئة الشباب في مرحلة الدراسة الجامعية، حيث تتقاطع الضغوط الأكاديمية مع الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

ولا تبدو هذه المؤشرات محصورة في الأردن، إذ تتقاطع مع نتائج دراسات عالميةـ حيث أظهر تحليل منهجي واسع نُشر في مجلة JAMA عام 2016، أن الاكتئاب بين طلبة الطب منتشر بشكل كبير، حيث تشير البيانات إلى أن ما بين 27 % و37 % من طلبة الطب يعانون من أعراض اكتئابية، وأن نحو 6 % إلى 11 % منهم يفكرون في الانتحار.

كما بيّنت الدراسة أن نسبة محدودة فقط من هؤلاء الطلبة تطلب المساعدة النفسية، ما يسلّط الضوء على فجوة حقيقية في الدعم النفسي لهذه الفئة.

وفي سياق طلبة الطب تحديدًا، فإن تراكم الضغط النفسي، مع قلة طلب المساعدة النفسية بسبب الوصمة الاجتماعية والخوف من الحكم المهني، قد يجعل هذه الفئة أكثر هشاشة أمام التطور من أعراض القلق والاكتئاب إلى مراحل أكثر خطورة، تشمل الأفكار الانتحارية أو السلوكيات المؤذية للذات.

وبناءً على ذلك، فإن نتائج الدراسة الأردنية لا تُقرأ فقط كتشخيص لحالة نفسية جامعية، بل كإشارة إنذار مبكر إلى ضرورة تعزيز خدمات الدعم النفسي داخل الجامعات، وتطوير آليات تدخل مبكر تستهدف الطلبة قبل وصولهم إلى مراحل الانهيار النفسي.

من جهته، يشير مدير المركز الوطني للصحة النفسية، الدكتور محمد الطعاني، إلى أن المسار الأكاديمي لطلبة الطب يُعد من أكثر المسارات التعليمية امتدادًا وضغطًا، إذ يبدأ منذ سنوات الدراسة الجامعية الأولى ويمتد عبر مراحل الامتياز والاختصاص والإقامة، وصولًا إلى مرحلة التعيين في المستشفيات، ما يجعل الطلبة تحت ضغط متواصل لسنوات طويلة.

ويضيف أن وزارة الصحة تتحمل نحو 85 % من خدمات الصحة النفسية في المملكة، من خلال شبكة واسعة من المستشفيات والعيادات المنتشرة من شمال البلاد إلى جنوبها، لافتًا إلى أن أعداد المراجعين اليومية قد تصل إلى ما بين 50 و60 مراجعًا للطبيب الواحد، ما يشكل عبئًا كبيرًا على الكوادر الطبية.

ويؤكد الطعاني أن الوزارة تقدم خدمات العلاج النفسي والتشخيص والتداخلات الدوائية ضمن منظومة متكاملة، وبجودة وصفها بـ”الجيدة جدًا”، وبما ينسجم مع مبدأ إتاحة العلاج لكل من يحمل الرقم الوطني، مشيرًا إلى أن هذا الاتساع في الخدمات يرافقه تحدٍّ كبير على مستوى الموارد البشرية والضغط التشغيلي.

كما يوضح أن وزارة الصحة قامت خلال السنوات العشر الماضية بتعيين نحو 100 طبيب في المركز الوطني للصحة النفسية، في محاولة لتعزيز القدرة الاستيعابية وتقليل أثر الوصمة الاجتماعية المرتبطة بمراجعة العيادات النفسية.

وفي السياق ذاته، يقول الطعاني إن المركز استقبل في أكثر من مناسبة أطباء وطلبة امتياز للاستماع إلى تجاربهم ومشكلاتهم، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من المعاناة يعود إلى الضغط الأكاديمي المكثف، حيث يُطلب من الطالب إنجاز كميات كبيرة من المواد الدراسية في فترات زمنية قصيرة.

ويشير إلى أن بعض الممارسات داخل البيئة التعليمية تسهم في تفاقم الضغط، موضحًا أن نحو 60 % من الأطباء “أعضاء الهيئة التدريسية” قد يمارسون، بشكل مباشر أو غير مباشر، أشكالًا من التنمر على الطلبة، في مقابل وجود نماذج إيجابية تركت أثرًا مهنيًا وإنسانيًا طويل الأمد لدى طلابها.

ويؤكد أن استجابة طلبة الطب للضغط النفسي تختلف من شخص لآخر تبعًا لما وصفه بـ”المناعة النفسية والحصانة الاجتماعية”، لافتًا إلى أن ضعف هذه العوامل قد يجعل بعض الطلبة أكثر عرضة للانهيار تحت الضغط.

كما يشير إلى أن طلبة الطب عمومًا أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، في ظل تراكم الضغوط الأكاديمية والمجتمعية، إلى جانب ما وصفه بتأثير “التربية الذكورية” التي تدفع بعض الشباب إلى تحمّل أعباء تفوق قدرتهم، ما يفاقم مستويات الضغط النفسي لديهم.

عموما، لا يبدو أن أزمة طلبة الطب في الأردن تتعلق فقط بكثافة المناهج أو صعوبة التدريب السريري، بل تمتد إلى مستوى أعمق يتعلق بالصحة النفسية داخل منظومة تعليمية تُنتج أطباء مؤهلين علميًا، لكنها، وفق شهادات طلابية ودراسات محلية وعالمية، لا توفر دائمًا الحماية النفسية الكافية لهم خلال الرحلة.

بين الحلم الذي يبدأ بدرجات مرتفعة، والواقع الذي ينتهي عند حدود الإنهاك النفسي، يقف طالب الطب في مساحة رمادية، ينجو فيها البعض بصمت، بينما ينهار آخرون بعيدًا عن أي تدخل مبكر.

ويبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه على المؤسسات التعليمية والصحية معًا: كم من الألم يجب أن يُحتمل قبل أن يصبح الإصلاح ضرورة لا خيارًا؟

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك