عمان – يشهد ملف الاتجار بالكائنات الحية في الأردن، تداخلاً معقدًا بين الجهود الرسمية الرامية إلى تنظيمه وحماية التنوع الحيوي، والتحديات الميدانية التي تفرضها ثغرات التطبيق واتساع السوقين القانوني وغير القانوني.
اضافة اعلانوتعكس المعطيات المتاحة، واقعًا يتجاوز كونه نشاطًا محدودًا، ليصل إلى قطاع عالمي ضخم ذي أبعاد اقتصادية وأمنية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تأثيراته المباشرة على الأنواع البرية واستدامتها.
ومع تنامي دور الوسائل الرقمية بتسهيل هذا النوع من التجارة، تتصاعد الحاجة لتقييم فعالية المنظومة الرقابية والتشريعية، وقدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة، ضمن توازن دقيق يجمع بين متطلبات الحماية البيئية والتنمية، وفق خبراء.
ومن وجهة نظر أستاذ علم بيئة الحيوان بالجامعة الأميركية في محافظة مأدبا د.
فارس خوري، فإنه لا يوجد" تطبيق كاف" للقوانين في الأردن، برغم أن ثمة" فرصا" لتحسين آليات الصيد الخاصة، والتجارة.
ولا يعني ذلك، أن قضية التجارة لا تبذل فيها الجهات المعنية كالإدارة الملكية لحماية البيئة، وبالتعاون مع وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية، والجمعية الملكية لحماية الطبيعة" جهوداً كبيرة"، فهنالك" تطور ملحوظ" بهذا الشأن.
ولفت خوري لـ" الغد"، إلى أن القضايا البيئية في المملكة لا تلقى الاهتمام المطلوب من الجهات المعنية، فكل ما يدار حولها يدخل ضمن توصيف" الأحاديث دون تطبيق على أرض الواقع".
وأرجع أسباب ذلك لـ" عدم كفاية" الكوادر المؤهلة للتعامل مع مثل هذه المشكلات البيئية، بخاصة ما يتعلق بقضايا التنوع الحيوي.
وأضاف، أن جمعيته الخاصة بمراقبة الطيور، والمختص بالتنوع الحيوي إيهاب عيد، أعدوا دليلاً حول القوائم الحمراء للطيور المعششة في الأردن، وسيطلق قريباً.
متسائلا عن أين وصل العمل بإستراتيجية التنوع الحيوي التي أطلقتها وزارة البيئة سابقا، والتي يفترض بأن تعالج هذه القضايا.
بيد أن وزارة البيئة، تؤكد أن الأردن أولى منذ ستينيات القرن الماضي أهمية كبرى لحماية الطبيعة، إذ يعتبر من أوائل دول الإقليم الذي عمل على تأسيس وإعلان المحميات الطبيعة التي تمثل حالياً نحو 5.
4 % من مساحة المملكة، كما أنه من أوائل الدول التي انضمت للاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التنوع الحيوي.
ولفتت الوزارة إلى أن الأردن يمتلك تجارب ناجحة في التكامل الاجتماعي والاقتصادي في مشاريع حماية البيئة الطبيعية، حيث تعزز الإدارة السليمة للموارد الطبيعية من قدرة المجتمع على الصمود وتأمين سبل العيش.
مشددة على أن أنواع التجارة بالأنواع البرية تتنوع بين التجارة القانونية المرتبطة بالقوانين المحلية والاتفاقيات الدولية الموقعة بين الحكومات، وأهمها اتفاقية التجارة بالأنواع المهددة بالانقراض من نباتات وحيوانات (السايتس) وتلك غير القانونية.
وأكدت خوري، أن الغاية من تصدير الأنواع كانت بين الاستخدام في الأبحاث العلمية، والتربية في حدائق الحيوان، والمراكز المتخصصة، بالإضافة للتجارة والاستخدام في الصناعات المتعلقة بالمنتجات الحيوانية.
وقد يظن البعض، أن" الاتجار" بالكائنات الحية، سواء النباتية أو الحيوانية، نشاط" بسيط أو محدود"، لكن الواقع يكشف عكس ذلك تمامًا؛ إذ يُعد هذا القطاع من أكبر الأسواق عالميًا بقيمة تتجاوز 220 مليار دولار سنويًا، وفق المختص بالتنوع الحيوي عيد.
مبينا أن الدول تسعة لوضع أطر قانونية وتشريعية لـ" ضبطه وتنظيمه"، ومع ذلك، لا يقتصر الأمر على التجارة القانونية، فهناك أيضًا أسواق" سوداء" واسعة الانتشار عالميًا تُقدّر قيمتها بأكثر من 20 مليار دولار سنويًا.
وهذه الأسواق، كما وصفها عيد، تُصنّف ضمن" أخطر الجرائم المنظمة"، بحيث تنافس تجارة" المخدرات والأسلحة"، وتقترب في أرباحها من" الاتجار بالبشر".
وفي الأردن، يُدار هذا الملف على مستويين، الأول دولي عبر الالتزام باتفاقية سايتس، والثاني وطني عبر القوانين التي تُنظّم جمع الكائنات الحية والاتجار بها، وبرغم ذلك، ما تزال أشكال الاتجار" قائمة"، بل وتتنامى مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كما ذكر.
واستند برأيه لما تشير إليه دراسة وحيدة نشرت في عام 2011، بينت أن حجم التداول في أحد الأسواق الشعبية تجاوز" ربع مليون دينار أردني في أربعة أشهر فقط"، مع نشاط شهري يزيد على" 90 ألف دينار".
وقد سُجّل آنذاك 61 نوعًا، غالبيتها من الطيور (54 نوعًا وأكثر من 16 ألف عينة)، مقابل أعداد محدودة من الزواحف والثدييات، ما يعكس" ضغطًا مباشرًا" على التنوع الحيوي، بخاصة مع وجود أنواع خاضعة للحماية الدولية.
وعلى صعيد التجارة الدولية، أكد عيد، أن البيانات الحديثة تُظهر بأن الأردن صدّر بين 2020 و2024 أكثر من 21 ألف عينة، معظمها كائنات حية، مع تركّز على الأنواع المدرجة ضمن الملحق الثاني لاتفاقية سايتس، وعدد أقل من الأنواع الأعلى حساسية ضمن الملحق الأول.
وبرغم أن الغالبية مصدرها التربية في الأسر، بيد أن عيد يرى بأن" القلق" يكمن بتسجيل حالات مصدرها البرية، شملت أنواعًا مهددة كالصقور والسلحفاة اليونانية، وهو أمر" غير مقبول بيئيًا" لما يحمله من مخاطر مباشرة على استدامة هذه الأنواع.
ولا يختلف الحال في الاستيراد، إذ استورد الأردن في الفترة نفسها نحو 5,816 عينة، مع هيمنة للأنواع الحية وأغراض تجارية واضحة، وفقه.
مضيفا أن الاعتماد الكبير على التربية في الأسر، لكن ذلك لم يمنع تسجيل عينات من المصدر البري، بما في ذلك أنواع حساسة كالصقور وموارد بحرية ونباتية، ما يكشف عن" ثغرات في منظومة الرقابة".
وبين عيد، أن التباين بين سجلات الدول المصدّرة والمستوردة في توصيف مصدر العينات، يثير تساؤلات جدية حول" دقة البيانات وشفافية التجارة"، فإلى جهود الجهات المعنية، دعا لمزيد من التنسيق والتعاون والاستفادة من الخبرات الوطنية، لأنه لا يمثل مجرد" نشاط تجاري"، بل قضية بيئية واقتصادية وأمنية" معقدة"، تزداد" خطورتها" عندما تمتد لـ" استنزاف" الأنواع من بيئاتها الطبيعية، بخاصة المهددة بالانقراض.
وبين عامي 2015 و2022 بلغ العدد الكلي للعينات التي صدرت من الأردن 216,200 تنتمي لأكثر من 150 نوعا، والتي وجهت لأكثر من 25 دولة حول العام، وفق إحصائيات الوزارة.
وكانت الأمارات، الوجهة الأكثر استقبالاً للعينات المصدرة، تلتها السعودية، ودول أوروبية مثل ألمانيا، إذ كانت الطيور الأكثر تصديراً وبنسبة تجاوزت 92 % من إجمالي الكميات، وبالأخص من عائلة الببغاوات بإجمالي يزيد على 200.
000 طائر، وفق التقرير.
وبالإضافة لذلك، شملت الصادرات 15.
000 عينة من الزواحف كالسلاحف والسحالي، و1200 عينة من منتجات الحيوانات كالجلود، وقد تنوعت الغاية من التصدير بين الاستخدام في الأبحاث العلمية، والتربية في حدائق الحيوان، والمراكز المتخصصة، و" التجارة" والاستخدام في الصناعات المتعلقة بالمنتجات الحيوانية.
أما بشان الاستيراد في الفترة نفسها فبلغ إجمالي العينات 1.
723.
959 عينة قادمة من 58 دولة حول العالم، كانت هولندا مصدرها الرئيس، إذ قدمت 995.
846 عينة، شملة 623 نوعاً موزعة على مجموعات حيوانية مختلفة.
وجاء في التقرير أن الطيور تصدرت قائمة المجموعات المستوردة بواقع 151.
1884 عينة، بينما كانت البرمائيات الأقل بواقع 10 عينات فقط، وشكلت" التجارة" الحصة الأكبر من أسباب الاستيراد بواقع 1.
493 عينة، تلاها الاستعمال الشخصي بواقع 215 عينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك