لندن ـ «القس العربي»: أوفت مواجهات ذهاب الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا بكل الوعود، بما شاهدنا من إثارة وتنافسية ومتعة بصرية تتماشى مع هذه المرحلة لأعرق بطولات القارة العجوز، حيث كانت البداية بالقمة الكلاسيكية التي جمعت عملاق أوروبا وإسبانيا ريال مدريد بالزعيم البافاري بايرن ميونبخ على ملعب «سانتياغو بيرنابيو» وانتهت بفوز الضيوف بهدفين مقابل هدف، كأول انتصار يحققه بطل البوندسليغا في الملعب الأشهر عالميا منذ قرابة العقد من الزمان، تماما كما حدث مع أصحاب الملعب الآخر الذي يحاكي شهرة وانتشار «البيرنابيو»، والإشارة إلى القمة الإسبانية الخالصة بين برشلونة وأتلتيكو مدريد التي احتضنها ملعب «كامب نو»، وانتهت بمفاجأة من العيار الثقيل، بسقوط العملاق الكتالوني بثنائية نظيفة، في ما كانت المرة الأولى التي يتجرع فيها البارسا من مرارة الهزيمة على يد اللوتشو دييغو سيميوني في «كامب نو» منذ توليه القيادة الفنية للهنود الحمر في بداية العقد الماضي، وأيضا المرة الأولى التي يتمكن خلالها الأتلتي من تجاوز البلوغرانا بهذه النتيجة على مستوى الكأس ذات الأذنين منذ 2016، وغيرها من الأرقام القياسية والمكاسب المعنوية التي حققها الفريق العاصمي قبل استضافة لامين يامال ورفاقه على ملعب «مترو بوليتانو» بعد غد الثلاثاء لحسم بطاقة التأهل للدور نصف النهائي، وفي مباراة أقل ما يُقال عنها «من طرف واحد»، اكتفى حامل لقب البطولة باريس سان جيرمان بثنائية ديزيري دوي وكفاراتسخيليا في شباك حارس مرمى ليفربول ماماراشفيلي، في القمة الفرنسية الإنكليزية التي جرت على ملعب «حديقة الأمراء»، وكان من الممكن أن تنتهي بمهرجان أهداف، أو في أضعف التقديرات كانت ستنتهي بانتصار تاريخي لـ «بي إس جي»، لولا هذا الكم الهائل من الفرص السهلة التي أهدرها أفضل لاعب في العالم عثمان ديمبيلي ورفاقه أمام الحارس الجورجي، لتبقى حظوظ أحمر الميرسيسايد قائمة ولو بشكل ظاهري قبل أن يستضيف ملحمة الإياب على ملعبه «الآنفيلد» ووسط جماهيره، والعكس بالنسبة لمواطنه الإنكليزي آرسنال، الذي وضع قدما في الدور نصف النهائي بفضل الفوز الاقتصادي الذي حققه خارج قواعده على حساب سبورتنغ لشبونة بهدف نظيف حمل توقيع كاي هافيرتز في الوقت المحتسب بدل الضائع، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الأثناء هو: هل ستكون مواجهات الإياب تحصيل حاصل؟ أم سنكون على موعد مع مفاجآت مدوية في منتصف الأسبوع؟ هذا وأكثر سنناقشه معا في موضوعنا الأسبوعي.
على ملعب «سانتياغو بيرنابيو»، أعاد بايرن ميونيخ إلى الأذهان سنوات تفوقه على النادي الميرينغي في نهاية العقد الماضي وأغلب فترات العشرية الأولى من الألفية الجديدة.
صحيح عزيزي القارئ لغة الأرقام والإحصائيات تشير إلى تقارب الحظوظ والفرص المتاحة على كلا المرميين، لكن من تابع المباراة في البث المباشر، يعرف جيدا أن فريق المدرب فينسنت كومباني، كان الطرف الأفضل والأكثر انتشارا وتنظيما في أغلب الفترات، لدرجة أن البعض كان يعتقد أن المباراة تُلعب هناك في «آليانز آرينا»، وذلك بسبب هيمنة يوزوا كيمتش وأليكسندر بافلوفيتش وسيرجي غنابري على منطقة المناورات، في الوقت الذي كان يتلذذ فيه صاروخ فرنسا وأوروبا الجديد مايكل أوليسيه في بعثرة ألفارو كاريراس في المواجهات المباشرة بينهما في الجهة اليمنى للفريق الألماني، راسما لنفسه صورة الجناح المهاجم المخيف الذي لا يتمنى أحد الوقوف أمامه عندما يقرر الاعتماد على الحلول الفردية، ولهذا يعول عليه المدرب البلجيكي في رسم الخطوط العريضة للغارات التي يشنها الفريق على دفاعات الخصوم، بالتعاون مع أقوى خط هجوم في القارة هذا الموسم، متمثلا في مشروع «البالون دور» (الكرة الذهبية) لعام 2026، الأمير الإنكليزي هاري كاين، الذي يثبت من مباراة لأخرى بلغة المدربين والمعلقين المصريين أنه بالفعل «قماشة مختلفة تماما» عن باقي المهاجمين وأصحاب القميص رقم (9) المتاحين في عالم الساحرة المستديرة في الوقت الحالي، مطوعا موهبته الطبيعية لخدمة المنظومة الجماعية، والدليل على ذلك المجهود الكبير الذي يبذله من خلال تحركاته الواعية في آخر 30 مترا في الملعب، منها يقوم بدوره الرئيسي، باعتباره اللاعب المحطة التي يتركز عليه الفريق سواء في ألعاب الهواء مع المدافعين ولاعبي الوسط أو بتمريراته العمودية الناعمة في التحولات السريعة من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، وهذا يفسر النقلة النوعية في مستوى الكولومبي لويس دياز، الذي تحول من مجرد جناح من النوع اللاتيني الفوضوي الذي يربك المدافعين بأسلوبه العشوائي في المراوغة إلى ما نشاهده الآن من نسخة أقل ما يُقال عنها في منتهى الحدة والشراسة أمام الشباك، وفي رواية أخرى واحدا من القلائل الذين يخطفون الأنظار في السهرات الكبرى، كما حدث في ليلة الفوز على باريس سان جيرمان بثنائيته في قمة مرحلة الدوري المجمع، قبل أن يمنح فريقه الأسبقية في شباك نادي القرن الماضي والحالي في أوروبا، بهدف ماركة الكبير البافاري في حقبة كومباني، بعقوبة فورية للدفاع الأبيض الهش الذي اكتفى بمشاهدة غنابري وكاين يتبادلان الكرة في عمق الملعب، قبل أن يُرسل الدولي الألماني تمريرة حريرية للمنطلق كالسهم داخل مربع العمليات لويس دياز، الذي بدوره لم يجد أدنى صعوبة في إيداع الكرة في شباك الحارس الأوكراني أندري لونين، ليأخذ البايرن الأسبقية قبل ذهاب اللاعبين إلى غرفة خلع الملابس بين الشوطين، كأفضل دفعة معنوية تحصل عليها الفريق قبل أن يباغت المغلوب على أمره لونين بالهدف الثاني مع أول دقيقة في الحصة الثانية، بعد نزهة من أوليسيه في الجانب الأيمن، انتهت بتمريرة على حدود منطقة الجزاء للخالي من الرقابة هاري كاين، ليقابلها بتسديدة مقوسة على يمين الحارس، الذي اكتفى بشرف المحاولة لإنقاذ الكرة.
في المقابل، اقتصرت محاولات أصحاب الأرض على الهجمات المعاكسة والتحولات السريعة، من خلال الرهان على دقة تمريرات أردا غولير للثنائي كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور، وعلى الرغم من نجاح رجال ألفارو أربيلوا في مهاجم المساحات الشاغرة في قلب دفاع البايرن، فقد افتقدوا في إنهاء المحاولات بالصورة المطلوبة، تارة لرعونة أحد المهاجمين في إنهاء الانفراد، مثلما فعل فيني في الشوط الثاني، بتسديد الكرة بغرابة في الشباك من الخارج، وذلك بعد مروره من نوير، وتارة أخرى لخبرة الحارس الأسطوري في غلق زوايا التسديد على مبابي في المواجهات المباشرة بينهما، إلى أن أطلق الدولي الإنكليزي ألكسندر أرنولد العنان لنفسه، بانطلاقة جريئة مستوحاه من غاراته القديمة مع الريدز، أنهاها بعرضية أرضية مثالية على القائم البعيد، ليقابلها مبابي بلمسة واحدة في المرمى.
الشاهد عزيزي القارئ، أن الريال انحنى أمام غريمه الألماني، لنفس الأسباب التي أدت إلى ابتعاده عن منافسة برشلونة على صدارة الدوري الإسباني، بعدما كان يقبض على الصدارة حتى منتصف الشهر الماضي، في القلب منها ما توصف على نطاق واسع في المحيط الإعلامي الأبيض بـ«الكوارث الفردية» على مستوى الدفاع، بما في ذلك سوء تمركز ثنائي قلب الدفاع، بتلك الطريقة التي وصل بها دياز إلى منطقة الجزاء، وسبقها هدية من تياغو بيتارش، ربما لو أحسن غنابري استغلالها، لربما قد حُسمت المباراة في أول 45 دقيقة، هذا ولم نتحدث عن التدهور الواضح في مستوى القادم من البريميرليغ في الميركاتو الصيفي الأخير دين هاوسن، الذي كان يُنظر إليه في بداية الموسم على أنه العمود الفقري في خط الدفاع في مشروع المدرب السابق تشابي ألونسو، لا سيما بعد ظهوره الجيد مع الفريق في كأس العالم للأندية، ثم فجأة وبدون سابق إنذار، تحول إلى نقطة الضعف الأكثر وضوحا في الفريق، وبدرجة أقل يؤخذ على الدولي الألماني أنطونيو روديغر، الذي تجاوز فترة الذروة في مسيرته، ونفس الأمر ينطبق على الزجاجي النمساوي ديفيد آلابا، فقط المنحوس البرازيلي إيدير ميليتاو، هو الوحيد الذي يؤدي بالصورة والجودة المطلوبة من قلب الدفاع الأساسي في فريق بحجم ريال مدريد، ولعلنا لاحظنا الفارق الكبير على مستوى التمركز والانتشار بعد دخوله على حساب هاوسن في الشوط الثاني، كواحد من أسباب تحسن أداء كتيبة أربيلوا بعد تلقي صدمة الهدف الثاني، وقبل هذا وذاك، يرى الكثير من النقاد والمتابعين، أن عودة مبابي أثرت على توازن الفريق، بعبارة أخرى أكثر وضوحا، يُقال في وسائل الإعلام المدريدية وكوكب «السوشيال ميديا» إن الريال يؤدي بشكل أفضل ويحقق نتائج جيدة كلما غاب المدمر الفرنسي، وسط حالة من الإجماع على أن مشاركة النجم المغربي إبراهيم دياز رفقة فينيسيوس جونيور في الهجوم، عادة ما تأتي بنتائج إيجابية، إذ أن أسد أطلس معروف عنه تضحياته الكبيرة في أدواره الدفاعية، وتحديدا دوره في عملية الضغط المتقدم، إلى جانب أسلوبه الجماعي الذي يحافظ على توازن الريال في الثلث الثاني والثالث من الملعب، بينما الهداف التاريخي لحامل لقب دوري الأبطال، لا يُهدر طاقته في تنفيذ تعليمات المدرب في الضغط على حامل الكرة من المنافس، واضعا نفسه في إطار القطعة التي يرتكز عليها الفريق لإنهاء هجماته، أو المسؤول الأول عن اللمسة الأخيرة سواء داخل منطقة الجزاء أو خارجها، وهذا في حد ذاته، يقيد من إبداع فينيسيوس جونيور ويتسبب بشكل أو بآخر في اختفاء ذاك السحر الذي نشاهده عادة في غياب زميله الفرنسي، ولهذا بدأت تتعالى الأصوات التي تطالب الرئيس فلورنتينو بيريز بضرورة التخلي عن واحد من ثنائي الهجوم من أجل الحفاظ على توازن المجموعة، وما ساهم في ترويج هذا الطرح، معاناة هداف الفريق في الأسابيع الماضية، مكتفيا بتسجيل هدف وحيد في آخر شهرين وهو هدفه في أمسية الثلاثاء الماضي في مرمى نوير، ولو أن كل ما سبق لا يعني بالضرورة أن بايرن ميونيخ قد حسم البطاقة بنسبة 100%، والأمر لا يتعلق بلغة الشعارات التي يتسابق جمهور الريال في رفعها في هذه الأثناء، بأن فريقهم لا يعرف المستحيل في ليالي الكأس ذات الأذنين، بل أيضا في المشاكل الدفاعية الواضحة في الدفاع الألماني، متمثلة في الهفوات الغريبة التي يرتكبها أوباميكانو، على عكس صفقة الموسم على مستوى الدفاع جوناثان تاه، الذي يؤدي بصورة فاقت كل التوقعات، متقمصا دور القائد الفعلي للخط الخلفي، بما لديه من هدوء واتزان وجودة عالية في التحضير العمودي الذي يريده، وما يعطي مؤشرات بأن أمسية «آليانز آرينا» ستكون قابلة لكل الاحتمالات، ذاك الكم الهائل من الفرص والانفرادات الصريحة التي أتيحت لكلا الفريقين، والتي وصلت لنحو 40 فرصة ما بين تصويبات ومحاولات بين القائمين والعارضة، وذلك في الوقت الذي أجمع فيه القاصي والداني على البايرن استحق الانتصار والريال كان في واحدة من أتعس لياليه مع أربيلوا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك