قبل عدة أيام اضطررت لركوب سيارة لقضاء بعض مصالحي عن طريق أحد تطبيقات النقل المعروفة.
ولأنني كنت في حاجة لأكثر من رحلة فقد اتفقت وديا مع السائق على ذلك بعيدا عن روتين إجراء" أوردرات" جديدة, وعلى غير العادة ظل الرجل اغلب الوقت صامتا إلا من جمل بسيطة لاحظت من خلالها حرصه الزائد على الاحتفاظ" ببرستيجه" وأناقته بصورة مبالغ فيها, وفسرت ذلك من واقع خبرتي بخجله من العمل بهذه الطريقة لمواجهة تكاليف الحياة, ومع هذه الملاحظة كنت حريصا طوال الرحلة على إرضاء" ذاته" التي يبدو انها متضخمة ومن باب" ارحموا عزيز قوم ذل" مع إدراكي طبعا أن المثل ليس في محله فالعمل أيا كانت طريقته شرف وما أحوجنا للتأكيد على هذا المعنى في كل وقت.
المهم مع انتهاء الرحلة و" المشاوير" وجاء وقت الدفع اختلف معي وطالب بزيادة المقابل المادي بمبررات مختلفة لا تتماشى بالمرة مع" برستيجه" الذي حافظ عليه طوال الرحلة, وبدا لى أن الرجل يعاني من أزمة نفسية بسب اضطراره للعمل بسيارته, حيث ظل يردد أكثر من مرة أنه مؤهل عالى ويعمل في وظيفة محترمة و.
و.
, لم يطل النقاش كثيرا فهذا ليس من طبعي دفعت له ماطلب وعند إنصرافي ذكرته بقاعدة مهمة وهى ألا يخجل مما يعمل طالما كان عملا شريفا وإلا فعليه مراعاة لذاته المتضخمة , واحساسه الخادع بتآمر الكون والظروف عليه أن يترك هذا العمل نهائيا ويتفرغ للاعتداد بنفسه منتظرا المجهول لكي يعينه على متطلبات الحياة.
لا أدري لماذا تذكرت على الفور قصة قصيرة كتبتها في عام 1990 من وحي شخصية زميل في فترة الدراسة الجامعية بعنوان" المنثور من ذنوب سعد طرطور" - وهذا ليس اسمه بالطبع- وأدركت أن هذا النموذج موجود في كل زمان ومكان بل ربما تبدو حالته هي سيرة ذاتية لنصف من تعرفهم في محيط عملنا وحياتنا الشخصية," سعد طرطور" في ظني ليس مجرد شخص, لكنه" براند" إنساني مسجل بخليط من النرجسية والمسكنة والارتباك بين النقيضين, المشكلة ليست في سعد فقط الذي يمكن التعامل معه ببعض الحكمة، بل في" زهراوي الشيخ" الذي" ينكشه" بقسوة أحيانا ويوزع عليه صكوك الاتهام، و" هدى سعد" التي تحاول أن" تبروزه" لتلمع وترتقي وتصعد على" حالته" , بينما تظل معاناة سعد بلا أمل أو نهاية سوى أن ينصلح الحال رغم أنه لايدرك بشكل قاطع ومحدد ما هو الحال الذي يرغب في أن ينصلح!" لا يهم ففى كل زمان يوجد سعد طرطور".
هكذا يردد دائما زهراوى الشيخ.
حسبك ولا يشدك الاسم ولا ما يثيره فى نفسك من معانى التهكم والسخرية.
فهو يردد دائما انه ليس" إمعة" بل أنه مشارك فى الأحداث وموجه لها فى بعض الأحيان.
يقول" زهراوى الشيخ" – ببعض المرارة – أن هذا الكلام حقيقة واقعة, ففى كل الأحداث تشم رائحة" سعد طرطور" حتى دون أن يدرى هو بذلك, لكنه – والكلام هنا من" هدى سعد" - يميل إلى أن يكون" ليبراليا" متحررا من كل التجاذبات.
وتنقل عنه قوله – فى ساعات صفائه - أنه يرى ألا سبيل إلى النجاة من مركز ثقل الحجر إلا بالإنفلات إلى أحد الأجناب لعله – أى السعد – يلفت الأنظار إلى قضيته.
ولا أحد يحفل, ولا أحد يهتم, حتى أنه يهدد مازحا –على لسان" هدى" أيضا –أنه سيصل بالأمر إلى" مجلس الأمن" حتى لو تأكد من أن القوى العظمى سترفع يد الرفض فى وجهه النحيل!
" رسمت هدى سعد هذا المنظر بالألوان الطبيعية فى لوحة, وعلقتها على ظهره يمشى بها أينما يشاء".
ولا أحد يحفل ولا أحد يهتم.
يؤكد" زهراوى الشيخ" انه لايرى لسعد اية مشكلة تلح عليه فى حلها, كما يقدم الأدلة والبراهين التاريخية الدامغة على أن" سعد" يخلق القضايا والأزمات لنفسه رغبة فى تعذيبها!
وبعيدا عن آراء" زهراوى الشيخ" وانطباعات" هدى سعد" , فقد يلمس الحنو قلبك على هذا المخلوق البائس.
" هدى" كتبت على جبهته هذه الجملة –بناء على طلبه –بحبر لا يٌمحى أبدا"وقد لا تجد غضاضة فى أن تعطيه أذنك وتسمع بتأثر شديد كل مايحكيه – أو يهذى به – إن جاز القول عن تفاهة وعدم جدوى الحياة, والجهنميون من بنى البشر وذوى الجباه الثلجية- هكذا يقولها-وعن خراب النفوس.
الغريب أنه يقر دائما بخراب نفسه ويقول أنه يحاول إصلاحها.
ولا تهتدى!وقد لا تتحرك غرائزك الشريرة إذا ماوجه لك – بكل عنف - سبابا حقيقيا متهما يدك بالانغماس فى المؤامرة التى تحاك من أجل الإيقاع به و تدمير حياته!يتصور نفسه بالأهمية التى تجعل من الآخرين بلا هم سوى محاصرته والقضاء على حضوره المثير! و" هدى سعد" تؤكد على أن هذا الكلام و بالأدلة والبراهين ليس تصورا, لكنه حقيقة وأنها تحاول رسمه.
لكن بعد أن تنقشع السحب من حول المشهد كله!وعندما نعود لزهراوى الشيخ يقول غاضبا: إذا كان هذا الكلام حقيقة فإن الوزر كل الوزر يقع على" سعد" نفسه.
فلماذا لا ينخرط مع الجميع فى سلك الحياة ولايصر على أن يتخذ لنفسه خطا منفصلا؟ !
وترد" هدى" بأن ألوانها فرغت ولا تستطيع رسم هذا الكلام فى أى لوحة.
!!وقد تشم رائحة ما فى كل كلام الزهراوى.
وقد تجد رائحة صدق فى تجليات هدى سعد.
لكنك ستجد أن فى داخلك انتظارا هااااااااائلا لدوي لقائك بسعد طرطور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك