كشفت دراسة جديدة ورائدة، تتبعت مسار حياة ما يقرب من 2000 شاب أسترالي على مدار عقد كامل من الزمن، عن نتائج تتحدى الفرضيات العلمية السائدة منذ أمد طويل حول اضطراب النوم ومخاطر السكري مقارنة بزيادة الوزن، إذ توصلت إلى أنّ اضطراب النوم يمثل مؤشرًا أقوى للتنبؤ بمقاومة الأنسولين في مستويات لاحقة من العمر مقارنة بزيادة الوزن.
وخلص هذا البحث، الذي أشرف عليه مركز الدماغ والعقل بجامعة سيدني، إلى أنّ زيادة كتلة الجسم ليست السبب الجوهري والوحيد الذي يربط بين حالات الاكتئاب وتطور مقاومة الأنسولين، والتي تُعرف طبيًا بأنّها النذير المبكر للإصابة بمرض السكري وأمراض القلب الوعائية.
اضطراب النوم ومخاطر السكري مقارنة بزيادة الوزنوبالحديث عن اضطراب النوم ومخاطر السكري مقارنة بزيادة الوزن، تُشير الأبحاث المعمقة إلى أنّ عدم انتظام دورات النوم والاستيقاظ، واستمرارية اضطرابات النوم، تُشكّل مسارًا رئيسيًا يربط بشكل مباشر بين مشاكل الصحة النفسية التي يعاني منها الشباب وبين الأمراض الجسدية التي تظهر بوضوح بعد سنوات عديدة.
وفي هذا الصدد، أكد البروفيسور إيان هيكي من مركز الدماغ والعقل أنّ هذه النتائج تسلط الضوء على فرصة ضائعة بالغة الأهمية للتدخل المبكر والوقاية، وقد وجدت هذه الدراسة طريقها للنشر في مجلة الاضطرابات العاطفية المرموقة لتعميم الفائدة من نتائجها، بحسب ما ذكرته مجلة «medical xpress» العلمية.
وأوضح البروفيسور هيكي أنّ الوزن لم يكن العامل المفسر للعلاقة القائمة بين الاكتئاب والمخاطر الأيضية المستقبلية، مؤكدًا أن الإشارات التحذيرية كانت موجودة بالفعل قبل سنوات طويلة، وتمثلت بوضوح في اضطرابات النوم، ويبدو أن العواقب الصحية الجسدية المترتبة على الاكتئاب قد تبدأ في وقت أبكر بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، وبأنماط غير ظاهرة أو ملحوظة في المراحل الأولية، حيث تبرز اضطرابات دورة النوم والاستيقاظ كأولى تلك العلامات، وحذر «هيكي» من أن الانتظار حتى يصل الأفراد إلى مرحلة السمنة أو الإصابة الفعلية بالسكري يعني تفويت نافذة زمنية حاسمة للتدخل العلاجي والوقائي بين فئة الشباب.
من جانبه، أشار الدكتور جاكوب كراوس، الزميل الباحث الأول في مركز الدماغ والعقل، إلى أن هذه الاضطرابات في النوم قابلة للتحسين والتقويم من خلال إجراء تغييرات سلوكية بسيطة في نمط الحياة اليومي، وتتضمن هذه الاستراتيجيات السهلة التطبيق، والتي تترك أثراً قوياً على جودة النوم وعمل الساعة البيولوجية، الالتزام بالاستيقاظ في الموعد نفسه كل صباح، والحرص على التعرض لأشعة الشمس يومياً سواء عبر المشي أو الرياضة أو حتى الجلوس قرب النافذة، إضافة إلى خفض مستويات الإضاءة مع غروب الشمس؛ إذ يرى الباحثون أن لهذه الخطوات انعكاسات إيجابية كبرى على الصحة العقلية والتمثيل الغذائي «الأيض» للفرد.
لقد اعتمدت قوة هذه الدراسة على متابعة أكثر من 1700 أسترالي طوال عشر سنوات، وتحديدًا من أوائل العشرينات حتى مطلع الثلاثينات من العمر، مما يجعلها واحدة من الدراسات السبّاقة التي ترصد هذه العلاقة في عينة مجتمعية قبل ظهور أعراض السمنة أو الأمراض المزمنة، وتثبت النتائج أن المخاطر الأيضية، التي تشتمل على مقاومة الأنسولين وضعف تنظيم السكر في الدم وزيادة احتمالات الإصابة بأمراض القلب، يمكن أن تبدأ في التسلل بصمت إلى أجساد الشباب الذين يبدون للعيان في حالة صحية جيدة ولا تظهر عليهم علامات اعتلال واضحة.
العلاقة بين اضطرابات النوم والإصابة بالاكتئابوتلخصت النتائج الرئيسية في أن الاكتئاب في مقتبل مرحلة البلوغ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور اضطرابات مستمرة في نظام النوم والاستيقاظ بمرور الوقت، وأن هذه الاضطرابات كانت المتنبئ الأقوى لمقاومة الأنسولين بعد عقد من الزمان، متفوقة في ذلك على عامل زيادة الوزن، والمثير للدهشة أن هذه العلاقة وُجدت حتى لدى الشباب الذين حافظوا على وزن مثالي ولم يعانوا من أي أمراض جسدية ظاهرة، وبما أن الدراسة شملت عينة مجتمعية عامة وليست حالات سريرية فقط، فإن ذلك يشير إلى أن الصلة بين الصحة العقلية والجسدية هي ظاهرة ممتدة على مستوى السكان ولا تقتصر على الحالات النفسية الشديدة أو الحادة.
ويبدو أن المناهج الحالية للوقاية من الأمراض المزمنة المرتبطة بالاعتلال النفسي، والتي تركز بشكل شبه كلي على إدارة الوزن وتدخلات نمط الحياة الغذائية، قد تبدأ في وقت متأخر جداً عما ينبغي، ويؤكد البروفيسور هيكي أن التركيز الحصري على الوزن يغفل جزءاً جوهرياً من الصورة المتكاملة، مشدداً على أن النوم والإيقاعات الحيوية اليومية تستحق مكانة أكبر بكثير في منظومة الرعاية الصحية النفسية، حيث إن تقديم الدعم المبكر للشباب في تنظيم نومهم كفيل بتقليل أعباء الأمراض الجسدية الثقيلة التي قد تظهر بعد عقود من الزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك