الرباط – «القدس العربي»: يشهد المغرب حالياً موجة من الاستياء في صفوف المهنيين في قطاع النقل، بسبب الارتفاع الذي وصف بـ «المهول» في أسعار المحروقات، والذي عرف زيادات متتالية خلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل، بلغت حدّ التلويح بالإضراب والتصعيد في وجه الحكومة من طرف عدد من الهيئات المهنية المعنية بقضايا العاملين في نقل البضائع والمسافرين وسيارات الأجرة وتوزيع الغاز.
ووضعت «النقابة الوطنية للبترول والغاز»، العضو في «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل»، شعار «نضال مستمر لحماية المكاسب وتحقيق المطالب وتعزيز السيادة الطاقية للمغرب»، لمؤتمرها السادس المرتقب تنظيمه في 18 من نيسان/ أبريل الحالي.
وركّزت النقابة، في بيان تلقت «القدس العربي» نسخة منه، على أزمة المحروقات في المغرب، حيث انتقدت قرار «تحرير الأسعار»، ووصفته بأنه جزء من «اختيارات سياسية فاشلة» أدت إلى «التهاب الأسعار».
كما أشارت إلى قضية مصفاة «سامير» (مصفاة النفط الوحيدة بالمغرب، المتوقفة عن الإنتاج)، واعتبرت ذلك «تعطيلاً مقصوداً» لصناعات تكرير البترول بالشركة، وربطت بين هذا التعطيل وضعف المخزون النفطي للمغرب.
وحسب النقابة، فإن الفشل في تدبير قطاع المحروقات أدى إلى «تهشيم القدرة الشرائية» للمواطنين المغاربة، وفق تعبيرها.
وربطت أيضاً بين غلاء المحروقات وفقدان «السيادة الطاقية»، مطالبة بضرورة توفير الطاقة «بكلفة مناسبة» تضمن تنافسية المقاولات المغربية وحماية المواطن.
وتطرق الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز، في تدوينة على فيسبوك، إلى ما أسماها «الأرباح الفاحشة للمحروقات» في المغرب، موضحاً أنها «تسير في الاتجاه المعاكس للغضب الشعبي»، وتساءل: «هل يمكن لتنامي السخط الشعبي الوصول إلى حد إسقاط القرار المشؤوم بتحرير أسعار المحروقات، والرجوع إلى نظام ما قبل حكومة بن كيران؟ ».
وانتقل ملف المحروقات من كونه مجرد عبء اقتصادي إلى ضغط اجتماعي حقيقي يواجه الحكومة.
وفي هذا الإطار، عبّرت نقابات وهيئات مهنية عن استيائها، رغم الدعم المالي الذي قررت الحكومة صرفه في خضم موجة غلاء المحروقات.
وبرز تصعيد نقابات النقل الطرقي (البضائع والمسافرون)، التي أصدرت بيانات استنكار شديدة اللهجة، تتهم الحكومة بـ «العجز» عن كبح جماح شركات التوزيع، وطالبت بتسقيف الأسعار، وهو المطلب الذي ترفضه الحكومة، متمسكة بسياسة التحرير.
كما جددت مطالبها بإقرار «غازوال مهني» بأسعار تفضيلية للمحترفين، لضمان استقرار أسعار المواد الأساسية (الخضر والفواكه)، التي تتأثر مباشرة بتكلفة النقل.
وفي رأيها، فإن الدعم المالي الاستثنائي الحالي، الذي وصف بـ «هزيل»، لا يغطي سوى جزء بسيط من الفوارق في الأسعار، خاصة مع الزيادات المتتالية التي شهدها شهر آذار/ مارس وبداية نيسان/ أبريل.
وفي مجال النقل أيضاً، شهدت مدينة الدار البيضاء وقفات احتجاجية لسائقي سيارات الأجرة، الذين يعيشون، وفق تعبير بعض المراقبين، «بين المطرقة والسندان»، من جهة ارتفاع سعر اللتر، ومن جهة أخرى عدم قدرتهم على رفع التسعيرة قانونياً، مما يدفع بعضهم إلى فرض زيادات عشوائية تتسبب في توتر مباشر مع المواطنين.
وربط مهنيو قطاع سيارات الأجرة، في احتجاجاتهم، بين صعوبة سداد اشتراكات «الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي» وتراجع مداخيلهم اليومية بسبب تكلفة الوقود.
وانضاف إلى المحتجين عنصر مهم يتمثل في موزعي الغاز، وهو ما اعتبر تطوراً لافتاً، حيث لوّحت «الجمعية المهنية لمستودعي الغاز السائل» بخوض توقف وطني عن التوزيع يومي 21 و22 نيسان/ أبريل.
وعزت الهيئة المهنية ذلك إلى ارتفاع أسعار الغازوال، الذي أضرّ بتوازنهم المالي، موضحة أن هامش الربح في أسطوانة الغاز قارّ، بينما تكاليف النقل في تصاعد مستمر.
ويرى بعض المتتبعين أن استمرار هذا التوتر قد يؤدي إلى انتقال الاحتجاجات لتشمل قطاعات أخرى، خاصة مع اقتراب موعد فاتح أيار/ مايو (عيد العمّال)، مما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في علاقة الحكومة بالنقابات.
في سياق متصل، عبرت «العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان» عن قلقها البالغ إزاء استمرار الارتفاع غير المبرر في أسعار المحروقات، في ظل غياب آليات فعالة للمراقبة والتقنين، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، ويؤدي إلى موجات تضخمية تمس مختلف القطاعات والخدمات.
وقالت في بيان تلقت «القدس العربي» نسخة منه «إن تحرير أسعار المحروقات، دون إرساء إطار صارم للحكامة والشفافية، أفضى إلى وضعية تطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترام قواعد المنافسة الشريفة، وحول احتمال وجود ممارسات احتكارية أو تواطؤ بين الفاعلين في السوق».
وفي هذا السياق، جددت الهيئة الحقوقية المغربية دعوتها إلى تفعيل أدوار «مجلس المنافسة»، وضمان استقلاليته ونجاعته في مراقبة السوق، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية المستهلك من أي استغلال أو تلاعب بالأسعار.
كما أكدت «ضرورة اعتماد سياسات عمومية تراعي العدالة الاجتماعية وتخفف من الأعباء الاقتصادية على الفئات الهشة»، مطالبة الحكومة بـ «الجدية في التعامل مع هذه القضية واتخاذ إجراءات صارمة من ضمنها محاسبة الضالعين في هذا التسيب وتسقيف أسعار المحروقات».
ويُرتقب أن تقدم وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، يوم الثلاثاء، توضيحات أمام لجنة «البنيات الأساسية والطاقة والمعادن والبيئة والتنمية المستدامة» في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي)، حول مدى تأثر السوق المحلية بالتحولات الجارية في أسواق الطاقة الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك