بيروت يا حلم الصبا وأغنية الشباب.
وبيت شعر سكنته طول الحياة: صوت فيروز وشجر الأرز ومغارة جعيتا وجبل حريصا وتمثال السيدة العذراء.
بيروت يا عاصمة الحزن الأبدي وحضن السني والشيعي والمسيحي.
وملحمة البقاء والنهوض من تحت الأنقاض أبية عصية على الموت: لا تحزني يا أنبل وأجمل جرح يدمي قلوبنا.
بيروت يا من جعلتِ الحياة أجمل الكلمات، وجعلتِ العشق سيمفونية الحياة: أنت الأبقى.
من رائحة البارود وجثث الشهداء.
وصور الأشلاء والدمار.
يا من هزمتِ كل الحروب: يا بيروت يا ست الدنيا (قومي من تحت الردم كزهرة لوزٍ في نيسان.
قومي من حزنك قومي.
إن الثورة تولد من رحم الأحزان).
في أعقاب الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) كنت هناك، شاهدة على تدمير جنوب لبنان، ضمن وفد مصري للتضامن مع الجنوب، ضم كلاً من الأساتذة: محمد فائق وزير الإعلام الأسبق، والكاتب الكبير مكرم محمد أحمد رحمه الله، والمرحومة دكتورة هالة مصطفى.
وآخرين.
ذهبنا إلى الجنوب لتفقد صيدا، حيث كانت في استقبالنا النائبة «بهية الحريري».
كانت البيوت المنهارة عليها بصمة دماء الأطفال والشهداء، وكأنها تقيم تمثالاً يخلد الأعمار التي سرقت في الغارات الإسرائيلية الهمجية، وكانت آثار حياة الناس تنعى أصحابها.
ولا أدري كم سنة من عمري ظلت صور الدمار وأشلاء الجثث تحاصرني كلما سمعت عن ضرب لبنان! !
أنا لا يعنيني أن أعضاء «حزب الله» يعيشون في الجنوب، معروف أني ضد كل جماعات الإسلام السياسي، خاصة المسلحة منها، ولا يهمني من بدأ بمناوشات على الحدود لتعيش بيروت ما سماه الأطباء «اليوم الأسود».
ولا أدري ما معنى «الهدنة» ووقف الحرب إن كانت أيقونة العرب «بيروت» تم قصفها.
عاشت بيروت واحدة من أثقل لحظاتها، حيث بدأت، منذ ظهر الخميس الماضي، ملامح نزوح كثيف بالظهور في عدد من أحيائها، عقب إنذارات تهديدية أطلقها الجيش الإسرائيلي لامست العاصمة بشوارعها الرئيسية.
هذا النزوح، الذي تسارع مع ساعات النهار، عكس حالة الذعر التي خيمت على السكان، في امتداد مباشر لـ«الأربعاء الأسود» الذي عاشته العاصمة، حيث أمضى اللبنانيون ليلة مثقلة بالخوف تحت هدير الطائرات المسيرة التي لم تغادر سماء المدينة.
السؤال الذي يقلقني: هل تريد إسرائيل تفريغ المنطقة العربية حول مصر؟ ؟ فدائماً أشعر أن الهدف مصر، القضاء على الجيش العراقي، ثم الجيش السوري، والضرب الوحشي للبنان.
إن كانت إسرائيل تستهدف رجال حزب الله فهي قادرة، بالموساد ومساعدة الاستخبارات الأمريكية، على اصطيادهم كالغربان من منازلهم.
لكن ما نشهده الآن يتجاوز حدود فهمنا وقراءاتنا وتحليلاتنا.
الأثر الأكبر والأهم المترتب على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية هو الإجهاز على نفط الخليج وإشعال سعر النفط في العالم.
وقد قالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتباهٍ -بحسب «رويترز»- (إن الولايات المتحدة ستجني الكثير من المال من ارتفاع أسعار النفط نتيجة الحرب مع إيران)، مما أثار انتقادات من بعض المشرعين الذين اتهموه بالاهتمام فقط بالأثرياء.
وقفزت أسعار النفط مع احتدام الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكأنها عملية إفقار متعمد للشعوب العربية، وتدمير لمقدرات دول الخليج وإجبارها على دفع المزيد للقواعد العسكرية الأمريكية.
لكن النصيب الكارثي كان لبيروت.
«بيروت تقف على حافة «الظلمة» بفعل ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً، مما أدى إلى تراجع التغذية الكهربائية، وفتح الباب واسعاً أمام «التقنين»، فيما أعلن رئيس تجمع «أصحاب المولدات الخاصة» عبدو سعادة، في حديث إعلامي، عن البدء بتطبيق تقنين قاسٍ يصل إلى ثماني ساعات يومياً في العاصمة بيروت ومدينة طرابلس شمالاً، في خطوة وصفها بأنها «اضطرارية» نتيجة الخسائر المتزايدة.
ونذكر جميعاً أن مصر سبق أن تدخلت لحل مشكلة الكهرباء في بيروت وأهدتها ما يلزم.
ولك أن تتخيل شعباً يعيش هارباً من القصف «على ضوء شمعة»، يبحث عن مخرج بالتفاوض مع إسرائيل وهو نفق طويل، ويسدد فاتورة ما جناه «حزب الله»! !
في الوفد المشار إليه أعلاه التقينا بالرئيس اللبناني الأسبق «إلياس الهراوي» في قصر بعبدا، وقال بالحرف إن لبنان لا يملك حتى توفير المياه النقية من ملايين اللاجئين الفلسطينيين.
فما بالك الآن وقد صار النزوح إلى بيروت من سوريا ومن الجنوب اللبناني.
أحياناً تتحول حكاية الوطن إلى «عدودة»، تصبح الذاكرة «بشراً ورائحة أرض وأصوات انفجار واغتيالات مدبرة ومؤامرات لا نعرف أبعادها».
لكن ملامح الوطن حين تغضب وتطفئ نورها لن يتخلى الأبناء عن دفئها ولو في الظلام: (كلن يا جنوب باعوك الكلام.
والعدل مصلوب عم ينزف السلام.
شو همنا الحروب.
راح نبقى نحن هون ويفنى كل الكون.
ولا ينقص حبة بترابك يا جنوب).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك