تشكل العلاقة الفكرية بين بنيامين نتنياهو وزئيف جابوتنسكي أحد أكثر المسارات السياسية وضوحا في تاريخ اليمين الصهيوني، وهي علاقة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج إرث عائلي، لعب فيه البروفيسور بن صهيون الأب دور الجسر الفكري والناقل لتعاليم «الصهيونية التصحيحية».
والمقاربة بين أفكار المعلم جابوتنسكي والتلميذ المعاصر نتنياهو تكشف عن وحدة بنيوية في النظر إلى القوة، الأرض، والتعامل مع المحيط العربي، حيث تظل نظرية «الجدار الحديدي» التي صاغها جابوتنسكي في عشرينيات القرن الماضي هي النواة الصلبة التي تدور في فلكها سياسات نتنياهو اليوم، مع تطويعها لتناسب أدوات العصر الحديث وصراعاته التكنولوجية والجيوسياسية.
بدأ هذا الاتصال الفكري من خلال بن صهيون نتنياهو الأب، الذي كان سكرتيرا شخصيا لجابوتنسكي، حيث تشرب منه الرؤية القائمة على أن الحق التاريخي لليهود في فلسطين لا يمكن انتزاعه أو تثبيته إلا عبر القوة المادية المتفوقة.
انتقلت هذه القناعة إلى بنيامين الابن، الذي لم يرَ في جابوتنسكي مجرد زعيم تاريخي، بل منظرا استراتيجيا أدرك مبكرا أن العرب لن يقبلوا بوجود الكيان الصهيوني إلا حين يصطدمون بجدار من القوة لا يمكن اختراقه.
هذا «الجدار الحديدي» الذي نادى به جابوتنسكي، والذي كان يقصد به القوة العسكرية والروحية، تحول لدى نتنياهو إلى استراتيجية شاملة تتجاوز العسكر، لتشمل التفوق التكنولوجي والاقتصادي، معتبرا أن «السلام من خلال القوة» هو الرد العملي الوحيد على رفض المحيط، تماما كما كان يرى جابوتنسكي أن الاعتراف العربي بإسرائيل لن يأتي نتيجة تنازلات أخلاقية، بل نتيجة يأس من إمكانية هزيمتها.
صدى افكار جابوتنسكي تنعكس بشكل جلي في كتاب نتنياهو «مكان تحت الشمس» الذي نشره عام 1996، إذ يرفض نتنياهو فكرة أن الصراع على الحدود، أو السيادة جغرافيا فحسب، بل يراه صراعا وجوديا ناتجا عن عدم قبول العالم العربي بوجود كيان يهودي في المنطقة.
ويركز بشكل مكثف على مفهوم «الأمن» كركيزة أساسية لا يمكن التنازل عنها، حيث ينتقد بشدة اتفاقيات أوسلو التي كانت قائمة آنذاك، معتبرا أن تقديم التنازلات الأرضية مقابل وعود بالسلام هو وهم يؤدي إلى إضعاف إسرائيل استراتيجيا، ويطرح نتنياهو بدلا من ذلك مبدأ «السلام مقابل السلام»، أو «السلام من خلال القوة»، مؤكدا أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يتحقق إلا ببقاء إسرائيل قوة عسكرية مهيمنة، لا يمكن قهرها، مما يجبر الأطراف الأخرى على القبول بالأمر الواقع.
أخذ نتنياهو من جابوتنسكي الإيمان بأن القوة هي المصدر الوحيد للشرعية في عالم الغاب، وأن السيادة لا توهب، بل تؤخذ وتصان بالحديد والنار، وأن التنازل هو أول خطوات الفناءكما يتجلى التطابق الفكري أيضا بين المنظر في عشرينيات القرن الماضي، والمنفذ في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، في النظرة إلى «السيادة» و»الأرض»؛ فجابوتنسكي كان من أشد المؤمنين بـ»ضفتي الأردن»، وهي رؤية ترى في كامل أرض فلسطين التاريخية حقا حصريا لليهود، ورفض بشدة أي تقسيم أو انتقاص من هذه المساحة.
وبالمثل، نجد أن خطاب نتنياهو، رغم المراوغات السياسية أحيانا، ينطلق من المنطلق نفسه الرافض لمنح الفلسطينيين سيادة كاملة، أو دولة قابلة للحياة فوق ما يسميه «أرض الآباء والأجداد».
إن تمسك نتنياهو بالسيطرة الأمنية المطلقة من النهر إلى البحر هو انعكاس حرفي لإيمان جابوتنسكي، بأن أي تراجع جغرافي هو تهديد وجودي، وأن الاستيطان ليس مجرد بناء بيوت، بل هو فعل سيادي يرسخ الحقوق التاريخية ويحولها إلى واقع مادي، لا يمكن تجاوزه في أي مفاوضات مستقبلية.
من الناحية الفلسفية، يشترك الاثنان في تبني نظرة «التشاؤم التاريخي» تجاه العالم، حيث كان جابوتنسكي يرى أن العالم لا يحترم إلا الأقوياء، وأن العدالة الدولية هي مجرد سراب أمام المصالح القومية، وهي الرؤية ذاتها التي صبغ بها بن صهيون عقل ابنه بنيامين، الذي يكرر دائما أن «الضعيف لا يصمد في هذه المنطقة، بل القوي هو من ينجو».
هذا الإيمان بضرورة «الاعتماد الذاتي» هو ما دفع جابوتنسكي قديما للمطالبة بجيش يهودي مستقل، وهو ما يدفع نتنياهو اليوم للإصرار على أن إسرائيل يجب أن تمتلك القدرة على الدفاع عن نفسها بنفسها ضد أي تهديد، حتى لو عارض ذلك أقرب حلفائها.
فالدولة في فكريهما ليست مجرد ملجأ، بل هي «حصن» يجب أن يظل دائما في حالة استنفار، وتفوق نوعي يمنع تكرار المآسي التاريخية للشعب اليهودي.
ولا تقتصر المقاربة على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد إلى الدور الاستعماري الذي تلعبه إسرائيل في المنطقة وفق تصورهما؛ فجابوتنسكي كان يرى في الصهيونية طليعة حضارية غربية في الشرق، ونتنياهو يروج باستمرار لفكرة أن إسرائيل هي «حامية الديمقراطية»، و»الخندق الأمامي للغرب» في مواجهة ما يصفه بـ»قوى الظلام»، أو «الإسلام الراديكالي».
هذا الربط بين بقاء إسرائيل ومصالح الحضارة الغربية هو أداة استراتيجية استخدمها جابوتنسكي لكسب تأييد القوى العظمى (بريطانيا آنذاك)، ويستخدمها نتنياهو ببراعة فائقة مع الولايات المتحدة والغرب المعاصر، محولا إسرائيل من «عبء أمني» إلى «ذخر استراتيجي» لا غنى عنه في صراع الحضارات.
لقد استطاع نتنياهو أن يجسد روح جابوتنسكي في عصر العولمة، فبينما كان جابوتنسكي يركز على الخطابة والسياسة الدبلوماسية الخشنة، طور نتنياهو هذه الأدوات مستفيدا من الإعلام الحديث والاقتصاد الحر، لكن الجوهر ظل ثابتا: الرفض المطلق للعودة إلى حدود 1967، والتمسك بالقدس عاصمة موحدة، واعتبار الصراع صراع إرادات لا صراع حدود.
إن والد نتنياهو، الذي كان يرى في جابوتنسكي «نبي القوة»، نجح في نقل هذه «النبوءة» إلى ابنه الذي حولها من تنظير سياسي إلى ممارسة سلطوية دامت لعقود، ما جعل من «الجدار الحديدي» واقعا جيوسياسيا يحيط بالدولة العبرية، ويمنع أي تسوية تقوم على مبدأ «الأرض مقابل السلام» الذي كان جابوتنسكي يعتبره انتحارا سياسيا.
يمكن القول إن بنيامين نتنياهو لم يبتكر فلسفة جديدة، بل هو القارئ الأكثر دقة وتطبيقا لإرث جابوتنسكي الذي وصله عبر مرشح عائلي شديد الصلابة.
لقد أخذ نتنياهو من جابوتنسكي الإيمان بأن القوة هي المصدر الوحيد للشرعية في عالم الغاب، وأن السيادة لا توهب بل تؤخذ وتصان بالحديد والنار، وأن التنازل هو أول خطوات الفناء.
بهذا المعنى، يظل نتنياهو هو الابن البار للصهيونية التصحيحية، والمقاتل الذي يسعى لتحقيق حلم «مملكة إسرائيل»، التي تنبأ بها جابوتنسكي، مستندا إلى جدار حديدي لا يلين، وفكر يرفض الانحناء أمام ضغوط الزمن أو التحولات الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك