تُعد المجموعة القصصية «امرأة قادمة من البعيد» للأردنية هدى الأحمد، مرآة تعكس جراحات الواقع وصراعات الذات الإنسانية، في ظل ظروف الحرب والفقر والتسلط الاجتماعي، حيث تتناول المجموعة هموم المرأة العربية، متمزقة بين التطلع للأمل ومحاولة النجاة من القهر والهروب من عادية الأيام إلى رحابة الخيال.
وتنهض قصص المجموعة على مساءلة الواقع الاجتماعي من زاوية إنسانية حسّاسة، وعلى تفكيك العلاقات الإنسانية في سياق اجتماعي مأزوم، حيث تتحوّل العلاقة الزوجية إلى حقل اختبار للأخلاق والقيم والعلاقات الاجتماعية، ولا يُقدَّم الزواج بوصفه مؤسسة اجتماعية مستقرة أو ملاذا عاطفيا إيجابيا، وإنما ككيان مشحون بالتوتر، وسوء الفهم، والاختلال في موازين القوة.
اللافت في هذه المجموعة أنّ الزوج لا يحضر غالبا بوصفه شخصية مكتملة الملامح، وإنما يتجسّد كأثرٍ ممتدّ: أثر في الذاكرة، أو في الجسد، أو في المصير.
ويظهر ككائن متحوّل تتبدّل ملامحه بين الغياب والقسوة والتردّد والعجز.
ومن خلال هذه الصورة المركّبة، تعمل القاصة على تفكيك السلطة الذكورية، عبر التفاصيل اليومية والكسور النفسية، بعيدا عن الخطاب المباشر أو الشعارات الجاهزة.
ومن خلال قصصها، ترسم القاصة طيفا متنوعا من صور الزوج: الغائب والنرجسي والسلطوي والعاجز، أو المنسحب أخلاقيا، بحيث تتحول المرأة إلى مركز السرد، بينما يُعاد تعريف الرجل انطلاقا من تأثيره لا من صوته.
تتوقف هذه المقالة عند عدد من قصص المجموعة، محللة صورة الزوج في كل منها بوصفها مفتاحا لقراءة الرؤية الاجتماعية والإنسانية التي تقترحها القاصة.
يتخذ العجز في قصة «الشاعر» أبعادا جسدية وجنسية واجتماعية في آن واحد، إذ تُجبر الفتاة على الاقتران برجل يفوقها عمرا بخمسة وثلاثين عاما، تسوية لدين عجز والدها عن سداده، حيث تعيش معه حياة خالية من الإحساس بالأنوثة أو الشراكة الزوجية، فتغدو العلاقة أقرب إلى قيدٍ اجتماعي منها إلى رباط إنساني.
وفي قريتها التي خرّبتها الحرب وهجرها معظم سكانها، ومع زوجٍ مريض عاجز بلغ الخامسة والسبعين، تنجذب إلى رجل في مثل سنّها، يبدو وكأنه الجار الوحيد المتبقي، شاعرٌ مولع بالكلمة، وهي قارئة شغوفة، فتقارب بينهما الوحدة والفراغ والحرمان.
وكما تعبّر الساردة بمرارة: «في مثل حالتي يبدو أنّ كل الرجال جذّابون».
وتتدخل الحرب، بوصفها قدرا قاسيا، لتضع نهاية لحياة الزوج العجوز، وكأنّها تحسم مصير علاقة قامت منذ بدايتها على العجز والاختلال.
أما في قصة «كادحون في مهب الريح»، فيتجلّى العجز في صورة الفقر المدقع والحرمان المستمر، حيث يفشل الزوج في توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة لأسرته.
هذا العجز الاقتصادي يفتح ثغرة تنفذ منها غواية ابن الخالة الثري، الذي يحيك شباك إغرائه بمهارة حتى تقع الزوجة في الخيانة، وحين يكتشف الزوج الأمر، ينتهي الزواج بالطلاق، لتجد المرأة نفسها منحدرة إلى قاع اجتماعي جديد، تعمل خادمة في بيوت الآخرين، بعد أن خسرت الأسرة والكرامة معا.
وتخلص القصتان إلى أنَّ عجز الزوج، أيا كانت صورته، لا يظلّ حالة فردية معزولة، بل يتحوّل إلى قوة مدمّرة تزعزع استقرار العلاقة الزوجية، وتدفع المرأة إلى البحث عن تعويض عاطفي أو مخرج نفسي، قد يبقى في حدود الحلم والتخيّل، وقد يتطوّر إلى أفعال تتجاوز العجز وتفضي إلى الخيانة وتفكك الأسرة وانهيار بنيتها.
تقدّم قصتا «بائعة الخضار» و«صابرين» نموذجا للزوج الذي يتدثّر بعباءة الكبرياء والأنفة أمام الناس، غير أنّ هذه المظاهر سرعان ما تنقلب داخل البيت إلى قسوة وتسلّط وتجبر؛ ففي موقف دالّ، يثور الزوج على هدية بسيطة قدّمتها بائعة خضار عجوز لزوجته، التي اشتهت الخبيزة، رافضا ما عدّه «صدقة» تمسّ كرامته المزعومة، فيُسيء إلى المرأة المسنّة، ويكيل لزوجته التهديد والوعيد، كاشفا عن وجهٍ متصلّب يخفي خلفه هشاشة أخلاقية عميقة.
وحين تتعلّم الزوجة الخياطة في سبيل الاستقلالية، يستقبل الأمر في بدايته بالغضب والعنف، غير أنّ موقفه يتبدّل سريعا عندما تبدأ الأموال بالتدفّق، فيتحوّل من زوج قاسٍ إلى رجل متسامح ودود، وأب حنون، بعدما صار شريكا في ما تجنيه زوجته من دخل.
هذا النموذج من الأزواج لا تحكمه الكرامة الحقيقية، وإنّما تحرّكه المنفعة الخالصة؛ يبخل على زوجته بأبسط حقوقها، ويضيّق عليها في ضروريات الحياة، لكنه ما إن يرى المال في يدها حتى تتغيّر ملامحه وسلوكياته، وتذوب قسوته أمام بريق الربح.
وهنا تصدق المقولة الشعبية: «الفلوس تغيّر النفوس»، إذ لا يتحسّن هذا الزوج بدافع المودة أو الوعي، بل بفعل المصلحة.
غير أنّ القصة تترك سؤالا أخلاقيا معلّقا في نهاية هذا التحوّل الظاهري: ماذا لو توقفت الزوجة عن العمل لأي سبب؟ هل سيبقى هذا الزوج على «حنانه» المكتسب؟ أم «ستعود حليمة إلى عادتها القديمة؟ » سؤال تتركه النصوص مفتوحا، فيما تبدو إجابته، في ضوء السياق السردي، سهلة التوقّع ومؤلمة في آن.
تقدّم قصة «المبروكة» صورة للزوج التقليدي الذي لا يقبل من زوجته معارضة ولا يحتمل الندية في الرأي، إذ يرى في الطاعة المطلقة أساس الاستقرار الزوجي، وحين يُبتلى بزوجة قوية الشخصية، لا ترضخ بسهولة، تتفجّر بينهما صراعات مستمرة، يتحوّل معها البيت إلى ساحة مواجهة، يتنازع فيها الطرفان فرض الكلمة والهيمنة، فتغيب الطمأنينة وتحضر القطيعة النفسية.
غير أنّ مسار القصة يأخذ منعطفا لافتا حين تلجأ الزوجة، بعد نصيحة العجوز «المبروكة»، إلى تغيير أسلوبها في التعامل، فتقرّ لزوجها بالسيادة، وتمنحه حق القرار في شؤون الحياة اليومية، ما يفضي إلى تحوّل ملحوظ في سلوك الزوج، حيث تهدأ حدّته، وتتحسّن علاقته بزوجته وأبنائه، ويعود الاستقرار إلى البيت بعد طول اضطراب.
في هذا السياق، تُقدَّم الزوجة بوصفها الطرف الأكثر وعيا ومرونة، إذ لم تتشبّث بمواقفها الصدامية، بل آثرت البحث عن مخرج عملي يحفظ الأسرة من الانهيار، حتى إن اقتضى الأمر التنازل عن بعض السلوكيات الشخصية، وبذلك تكسب رضى الزوج ومحبته، وتنجح في إعادة التوازن إلى العلاقة الزوجية.
وتلتقي هذه الرؤية مع ما تطرحه قصة «أريد مقعدا»، حيث يتكرّر نموذج الزوج المتعنّت الذي يرفض الحوار ويكاد يجرّ العلاقة إلى حافة الانفجار، قبل أن يأتي لقاء غير متوقّع للزوجة مع عجوز في حديقة عامة، يهديها إلى طريق التهدئة ونزع فتيل الخلاف، عبر استحضار الماضي المشترك والذكريات الدافئة كسبيل لإعادة المياه إلى مجاريها.
وتنتهي هذه القصص إلى دعوة ضمنية للأزواج إلى مراجعة ذواتهم، والبحث عن حلول داخلية لمشكلاتهم، والانطلاق في مسار التغيير من النفس أولا، قبل إلقاء تبعة الفشل على الطرف الآخر، بوصف ذلك المدخل الأنجع لصون الحياة الزوجية واستمرارها.
تقدّم قصة «ابنتي وأعرفها» صورة صارخة للانفصام بين المظهر الاجتماعي للزوج وحقيقته داخل البيت؛ فهو خريج كلية الحقوق، يشغل وظيفة مرموقة، ويبدو في أعين الناس نموذجا للرجل المتحضّر الناجح، وقد ارتبط بسعاد، بعد قصة حب نشأت بين أروقة الجامعة، غير أنّ هذا الحب ما إن انتقل إلى فضاء الزواج حتى انقلب إلى قسوة مفرطة وعنف مستمر، تجلّى في الضرب والإهانة والمعاملة الجائرة، حيث اختُزلت الزوجة إلى خادمة تُستنزف في تلبية الأوامر وتنفيذ الطلبات، مهما تجاوزت حدود الاحتمال الإنساني.
أمام هذا الواقع القاسي، تعجز سعاد عن الصبر، فتختار الهروب من بيت تحوّل إلى ساحة تعذيب، ثم تمضي في طريق الخلاص عبر المحكمة، فتخلع زوجها وتتحرّر من نيره وسطوته، مستعيدة حقّها في الكرامة والحياة الآمنة.
وتفضح القصة وهم الرهان على العاطفة وحدها أساسا لبناء الأسرة، مؤكدة أنّ الحب، إذا لم يُترجم إلى احترام ومعاملة إنسانية راقية، يظلّ شعورا هشّا لا يصمد أمام اختبار الواقع؛ فالزوج في هذه القصة لم يتشرّب معنى المودّة الحقيقية، وربما تعامل مع الحب بوصفه مرحلة عابرة من «طقوس» الحياة الجامعية، تتطلّب لطفا مصطنعا وابتسامات براقة، سرعان ما تسقط أقنعتها بعد الزواج لتكشف عن وجهٍ شرس لا يعرف الرحمة.
تُعدّ الغيرة، حين تبقى في حدودها الطبيعية، مظهرا من مظاهر الاهتمام وصون الكرامة، غير أنّها في قصة «غيرة» تنقلب إلى أداة صراع تُؤجّج الخلاف بدل أن تحمي العلاقة؛ إذ تدخل الزوجة في دائرة من المناكفة المتبادلة مع زوجها، فتستثير غيرته كما يثير غيرتها، في تصعيد انتهى بالطلاق، يعقبه تحوّل الزوجة إلى موقف عدائي عام تجاه الرجال دون تمييز.
وتكشف القصة كيف تنحدر الغيرة من شعور مشروع إلى حالة عمياء مدمّرة، تهدم البيوت، وتحيل المحبة إلى خصومة، وتفتح أبوابا لا تنتهي من المشكلات؛ فحين يُواجَه الخطأ بالخطأ، ويتقدّم العناد على الحكمة، تتآكل العلاقة تدريجيا حتى تنهار.
وتخلص القصة إلى رؤية أخلاقية واضحة مفادها أنّ التفاهم والتغافل، وصناعة الأعذار للطرف الآخر، عند الإمكان، هي سبل النجاة الحقيقية للعلاقات الزوجية، أما التعنّت والمناكفة فلا يثمران سوى الخراب والفقد.
وبعد؛ في مجموعتها «امرأة قادمة من البعيد»، الصادرة في عمّان عن دار يافا العلمية عام 2025، قدمت هدى الأحمد طيفا من الصور المتكسّرة للزوج: النرجسي والسلطوي والشكّاك والعاجز والمتردّد والتقليدي والشرس والمنسحب.
وفي جميع القصص لا تكتب الأحمد ضد الرجل بوصفه جنسا، وإنّما ضد النموذج الاجتماعي المختل للعلاقة الزوجية، وتنجح المجموعة في تحويل الزوج من مسلّمة ثقافية إلى سؤال أخلاقي: «كيف يمكن لعلاقة يفترض أن تقوم على الشراكة والمودة أن تتحوّل إلى عبء ثقيل؟ » و«هل الخلاص فردي أم بنيوي؟ ».
وتجدر الإشارة إلى أنّ صورة الزوج في هذه المجموعة لا تقتصر على بعدها الأسري المباشر، بل تنفتح على أفق رمزي أوسع، حيث يغدو الزوج في كثير من تمثلاته معادلا للسلطة بمختلف تجلياتها؛ فكما تتنوّع نماذج الأزواج بين العاجز والفاسد والخائن والمتجبّر والهمجي والاستغلالي، تتعدّد كذلك صور السلطة في الواقع الاجتماعي، وتتشابه في آليات القهر والهيمنة وإعادة إنتاج الخلل.
والسلطة المقصودة هنا ليست حكرا على شكل بعينه، بل تشمل كل بنية قهرية تتحكّم في مصائر الأفراد، سواء كانت سلطة سياسية، أو اقتصادية أو دينية أو حزبية أو معرفية، وغيرها من أشكال النفوذ التي تتخفّى أحيانا خلف شعارات براقة، فيما تمارس في جوهرها الإقصاء والاستغلال.
بهذا العمق، تغدو «امرأة قادمة من البعيد» شهادة سردية على هشاشة العلاقات في عالم مضطرب، ونداء صامتا مُلحا لإعادة التفكير في معنى الزواج والمسؤولية والإنسان والعلاقات والحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك