مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين في مصر واحد من أبرز الملفات التشريعية التي طال انتظارها لعقود طويلة، خاصة في ظل التحديات المتراكمة التي واجهت الأسر المسيحية داخل ساحات المحاكم وبين لوائح متعددة ومتناقضة أحيانًا، ومع توجيهات السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي للحكومة بسرعة تقديم مشروع القانون إلى البرلمان، عاد هذا الملف بقوة إلى واجهة النقاش العام، باعتباره خطوة مفصلية نحو تحقيق الاستقرار الأسري وترسيخ مبدأ الاحتكام إلى الشريعة الخاصة بكل طائفة، وفقًا لنصوص الدستور.
فعلى مدار أكثر من 80 عامًا، ظل ملف الأحوال الشخصية للمسيحيين محل جدل، منذ تطبيق لائحة 1938 التي اعتبرها كثيرون غير معبرة عن الواقع الحالي ولا عن التطورات الاجتماعية والدينية، ومع تعاقب السنوات، تفاقمت الأزمات المرتبطة بالطلاق والزواج الثاني والنفقة والحضانة، ما أدى إلى حالة من «التخبط القانوني» بين المحاكم المدنية واللوائح الكنسية، ومن هنا جاء مشروع القانون الجديد ليضع حدًا لهذه الإشكاليات من خلال صياغة موحدة تضم مختلف الطوائف المسيحية في مصر، في سابقة هي الأولى من نوعها.
وبحسب ما ذكرته مصادر كنسية لـ«الوطن»، فإن القانون الجديد لم يكن وليد لحظة، بل هو نتاج سنوات طويلة من العمل داخل الكنائس المصرية، خاصة داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، التي لعبت دورًا محوريًا في إعداد ملامحه الأساسية، استنادًا إلى جهود ممتدة تعود إلى عهد البابا الراحل شنودة الثالث، واستكملها لاحقًا البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، بالتنسيق مع باقي الطوائف، وقد شهدت وزارة العدل العام الماضي سلسلة من الاجتماعات الدورية التي ضمت ممثلين عن الكنائس المختلفة، من بينها الكاثوليكية والإنجيلية والروم الأرثوذكس، للوصول إلى صيغة توافقية تعبر عن الجميع.
ووفقا للمصادر فإنّ أحد أبرز ملامح المشروع يتمثل في القضاء على ظاهرة «تغيير الملة» التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى وسيلة للتحايل على القوانين القائمة من أجل الحصول على الطلاق، فقد نص القانون صراحة على الاحتكام إلى شريعة العقد، أي أن الزواج يُحكم بالقواعد التي تم وفقًا لها، حتى لو قام أحد الطرفين بتغيير طائفته أو ديانته لاحقًا، مشيرة إلى أن هذا النص يمثل تحولًا جوهريًا، حيث يغلق بابًا واسعًا من النزاعات ويضع حدًا لما وصفه البعض بـ«مافيا تغيير الملة».
وفيما يتعلق بالطلاق، أعاد القانون صياغة أسبابه بشكل أكثر وضوحًا واتساعًا، فلم يعد مقتصرًا على علة الزنا فقط، بل شمل حالات أخرى مثل الهجر، والإلحاد، والانضمام إلى طائفة غير معترف بها، إلى جانب استحدث مفهوم «الطلاق المدني بالفرقة»، الذي يتيح للمحكمة إنهاء العلاقة الزوجية حال استحالة العشرة، بعد مدد زمنية محددة.
وفي المقابل، شدد القانون على ضوابط الزواج الثاني، إذ منع بشكل قاطع زواج من طلق لعلة الزنا أو غيّر ديانته أو انضم لطائفة أخرى، إلا بتصريح من الكنيسة، ما يعزز من دور المؤسسة الدينية في تنظيم هذا الملف، كما نص على اقتصار الزواج على أبناء الطائفة الواحدة، في محاولة للحفاظ على الخصوصية العقائدية لكل كنيسة، ومنع النزاعات التي قد تنشأ عن اختلاف المذاهب.
ولم يغفل المشروع الجوانب الصحية والاجتماعية المرتبطة بالزواج، إذ وضع قائمة واضحة بموانع الزواج، من بينها الإصابة بالأمراض المزمنة أو العضال، أو الاضطرابات النفسية والعقلية، أو الإدمان، مع اشتراط العلم المسبق للطرفين بهذه الحالات، كما حدد نحو 10 أسباب لبطلان الزواج، تفرق بين البطلان والطلاق، مثل الغش أو التدليس أو وجود عيوب جوهرية في أحد الطرفين، وهو ما يعكس توجهًا نحو حماية العلاقة الزوجية من البداية.
ومن الزوايا المهمة التي تناولها القانون، مسألة المواريث، خاصة لدى الطائفة الإنجيلية، حيث تم النص على تطبيق الشريعة المسيحية بدلًا من الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية كما كان يحدث في السابق لغياب نص قانوني واضح، كما ألغى القانون نظام «الخلع» بالنسبة للمسيحيين، وأوقف اعتبار تغيير الملة سببًا للطلاق، وهو ما كان يمثل ثغرة كبيرة في المنظومة السابقة.
وفي إطار مواكبة التطورات الحديثة، أدخل القانون تعديلات على قضايا النفقة والرؤية، بما يتناسب مع العصر، إذ سمح باستخدام الوسائل التكنولوجية في رؤية الأطفال، مثل التواصل عبر الإنترنت، وهو ما يعكس إدراكًا للتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، كما تضمن القانون ملحقًا لعقد الزواج، يتيح للزوجين الاتفاق مسبقًا على تفاصيل الحياة المشتركة، مثل العمل والتعليم وتقسيم الأعباء، بما يقلل من احتمالات النزاع مستقبلاً.
ويتكون مشروع القانون من عدة أبواب تشمل كل ما يتعلق بالأسرة، بدءًا من الخطبة والزواج، مرورًا بالحقوق والواجبات، ووصولًا إلى الطلاق والنفقة والحضانة، كما يتضمن إنشاء لجان لتسوية المنازعات الأسرية، تكون قراراتها استرشادية للمحاكم، في محاولة لتقليل اللجوء إلى القضاء وتسريع حل النزاعات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك