في العديد من صفوفنا الدراسية قد يُنظر إلى الطفل الذي لديه حركة زائدة أو يعاني من ضعف في الانتباه والتركيز على أنه طفل مشاكس وذو سلوك غير طبيعي ويحتاج إلى ضبط أو عقاب.
لكن هذه النظرة والتصور غالبا ما تكون سطحية وعامة وخالية من الدقة، إذ إن بعض هؤلاء الأطفال لا يظهرون سلوكًا متعمدًا ومقصودا، بل يعانون من اضطراب نمائي عصبي يُعرف بفرط الحركة وتشتت الانتباه، وهذا الاضطراب يستدعي الوقوف والفهم العميق له واعتماد استراتيجيات تربوية وأساليب داعمة وممارسات معتمدة على الأدلة بحيث تراعي احتياجات الطفل بدلًا من استخدام أساليب العقاب التقليدية.
إذ إن أحد أبرز التحديات في البيئة الصفية تتمثل في سوء فهم المعلمين لطبيعة هذا الاضطراب، حيث يُفسَّر النشاط الزائد أو التشتت لدى الطفل على أنه قلة أدب أو عدم احترام للقواعد الصفية أو انه سلوك غير منضبط.
هذا التفسير والفهم الخاطئ يؤدي غالبًا إلى ردود فعل تتمثل في استخدام اساليب عقابية مثل التوبيخ المستمر، أو الحرمان من الأنشطة، أو عزل الطفل من الصف، وهي ممارسات لا تعالج جوهر المشكلة الأساسية، بل قد تزيد من حدتها وتؤثر سلبًا على تقدير وثقة الطفل بذاته ودافعيته للتعلم وتقبله للمدرسة ولمعلميه وأصدقائه.
في المقابل، تشير وتؤكد الأدبيات التربوية إلى أن الأطفال الذين يعانون من فرط الحركة وتشتت الانتباه يحتاجون إلى بيئات تعليمية منظمة وواضحة وخالية من المثيرات التي قد تساهم في تشتت الطفل، واستراتيجيات تدريس مرنة تتناسب مع خصائصهم واحتياجاتهم وقدراتهم الفردية، بالإضافة الى تقديم دعم سلوكي إيجابي يساعدهم على تنظيم وتحسين قدرتهم على الانتباه وضبط سلوكهم.
فبدلًا من التركيز على إيقاف السلوك الظاهر ينبغي التوجه والتركيز على فهم أسبابه وتحديد احتياجات الطفل التعليمية والسلوكية بما يضمن تقديم تدخلات فعالةومن هذا المنطلق تظهر وتبرز أهمية الحاجة للانتقال من أسلوب العقاب إلى أسلوب الدعم داخل الصفوف الدراسية.
فالعقاب قد يؤدي الى توقف مؤقت للسلوك، لكنه لا يعلّم الطفل مهارة بديلة تساعده على التصرف بشكل صحيح ومناسب، بينما يساعد دعم السلوكي الإيجابي الطفل على اكتساب مهارات التنظيم الذاتي، وتحسين الانتباه والتركيز، والتكيف مع متطلبات الموقف التعليمي داخل البيئة الصفية.
كما يعد دور المعلم محوري وأساسي في هذا السياق، إذ يتطلب الأمر تدريبًا متخصصًا لفهم خصائص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وكيفية التعامل معه باستخدام استراتيجيات مثل التعزيز الإيجابي، تقسيم المهام، إعطاء تعليمات واضحة وقصيرة، وتوفير فترات حركة منظمة داخل الصف بصورة تربوية فعالة.
إن إعادة النظر في سلوك الطفل من طفل مشاكس إلى ي طفل يحتاج دعمًا ليست مجرد تغيير لغوي، بل تحول جذري وعميق في الفكر والفلسفة التربوية، حيث ينعكس هذا على جودة التعليم، وعلاقة الطفل بالمدرسة، وفرص نجاحه الأكاديمي والاجتماعي.
فكل طفل يستحق أن يُفهم أولًا قبل إصدار الحكم عليه، وأن يُقدم له الدعم المناسب قبل اللجوء الى الأساليب العقابية.
وفي الختام، يبقى السؤال الأهم: هل نرى سلوك الطفل كما يبدو لنا، أم كما هو في حقيقته العلمية والتربوية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك