وجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسياليوم الاثنين، الحكومة بالإسراع في استكمال مشروعات قوانين الأحوال الشخصية وإحالتها إلى البرلمان، في تحرك يعيد فتح واحد من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية، وسط ضغوط برلمانية وإعلامية متزايدة فجّرتها قضية انتحار البلوغر بسنت سليمان أمس الأحد، التي تحولت إلى قضية رأي عام خلال الساعات الماضية.
وذكر بيان رئاسي أن مشروعات القوانين، التي تشمل تنظيم أوضاع الأسرة للمسلمين والمسيحيين وإنشاء صندوق لدعم الأسرة، " أُعدّت منذ فترة وتعالج أوجه القصور في القوانين القائمة بحلول متكاملة"، دون تحديد موعد نهائي لإحالتها إلى مجلس النواب.
يأتي التحرك الرسمي للدولة، في أعقاب موجة تفاعل واسعة أعقبت وفاة سليمان، التي أنهت حياتها بإلقاء نفسها من الطابق الثالث عشر في مدينة الإسكندرية شمالي البلاد، خلال بث مباشر لمدة ساعة على الفيسبوك، تحدثت فيه عن ضغوط نفسية وأعباء مادية ونزاعات أسرية ممتدة، لا سيما خلافات تتعلق بالنفقة ومسكن الحضانة.
وأكدت مصادر قضائية لـ" العربي الجديد" أن النيابة العامة قررت تسليم طفلتي سليمان إلى جدتهما لوالدتهما مؤقتاً، لحين استقرار الأوضاع القانونية، في خطوة لاقت تعاطفاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصدرت القضية قوائم الأكثر تداولاً على مدى يومين.
بسنت سليمان.
انتحار يضاعف زخم تعديل القوانينوقال مصدر برلماني لـ" العربي الجديد" إن عدداً من أعضاء مجلس النواب تقدموا بطلبات عاجلة لمناقشة الحكومة في مشروعات قوانين الأحوال الشخصية والرؤية، مستفيدين من الزخم الإعلامي لحادث انتحار بسنت وتأثير مسلسلات بثتها القنوات المحلية خلال الأسابيع الماضية، تدعم تعديل تلك القوانين التي وصفوها بأنها وراء تدهور العلاقات الأسرية لعدم حسمها سبل حماية الأطفال وتنظيم حقوق الوالدين في حالات الانفصال أو الوفاة لاحد الطرفين.
وتشير الطلبات البرلمانية إلى أن التعديلات المرتقبة تتضمن إعادة صياغة شاملة لمنظومة الأحوال الشخصية، في مقدمتها استبدال نظام" الرؤية" الحالي، الذي يقتصر غالباً على ساعات محدودة أسبوعياً، بنظام" الاستضافة"، بما يتيح للطرف غير الحاضن قضاء فترات أطول مع الطفل، إلى جانب إدخال آليات" الرؤية الإلكترونية" في حالات السفر أو التباعد الجغرافي.
وتتضمن المقترحات تشديد العقوبات على الامتناع عن تنفيذ أحكام الرؤية أو الاستضافة، مع منح القضاء سلطة أوسع في اتخاذ إجراءات قد تصل إلى نقل الحضانة مؤقتاً في حال تكرار المخالفة، بما يضمن تنفيذ الأحكام على نحو فعّال.
وفي ملف الحضانة، أكد برلمانيون أن التعديلات تميل إلى الإبقاء على الأم حاضناً أولاً، مع توسيع سلطة القاضي في إعادة ترتيب الحضانة وفق مصلحة الطفل، بما يحد من النزاعات الممتدة بين الأطراف، أما في ما يتعلق بالنفقة، فتشمل التعديلات وضع حد أدنى ملزم وربط قيمتها بالدخل الحقيقي للزوج، إلى جانب إنشاء" صندوق دعم الأسرة" لتوفير النفقات بشكل فوري للمستحقين، على أن تُسترد لاحقاً عبر آليات قانونية، بهدف تقليل أمد التقاضي وضمان حقوق الأطفال.
وتشمل المشروعات بقوانين، تنظيم إجراءات الطلاق، عبر إلزام توثيقه خلال فترة زمنية محددة، وتفعيل مسارات التسوية الودية قبل إتمامه، إلى جانب وضع ضوابط للحد من الطلاق التعسفي، فضلاً عن مشروع قانون منفصل ينظم الأحوال الشخصية للمسيحيين وفقاً لتوافقات الكنائس المعتمدة بالدولة والمختصة بالأقباط المصريين من الأرثوذوكس والكاثوليك والأنجليكان والروم الأرثوذوكس.
وأعادت واقعة سليمان تسليط الضوء على أوجه القصور في المنظومة التشريعية الحالية، إذ كشف الجدل المجتمعي في الإعلام الرسمي ووسائل التواصل الاجتماعي على مدار أربعة أسابيع مضت، وزادت حدته بعد انتحار" سليمان"، عن مسار طويل من النزاعات القضائية بدأ بطلبها الطلاق، مروراً بدعاوى للغيبة والهجر، وانتهاء بالخلع، قبل أن تدخل في نزاع جديد حول مسكن الحضانة، بالتوازي مع أعباء إعالة طفلتين بمفردها.
ويرى مراقبون أن الحادثة، التي وقعت على الهواء مباشرة، نقلت أزمة فردية إلى مستوى النقاش العام، وفتحت الباب أمام مراجعة أوسع للتشريعات المنظمة للعلاقات الأسرية وسط مخاوف من تزايد حوادث الانتحار العلني.
إذ تشير تقديرات منظمات حقوقية، غير رسمية إلى تسجيل نحو 3000 حالة انتحار سنوياً في مصر، مع تفاوت البيانات الرسمية، وسط دعوات لتعزيز خدمات الصحة النفسية وتحسين آليات الرصد.
في سياق متصل جدد الأزهر الشريف، المخول بنصوص الدستور رعاية النصوص التشريعية مع الشريعة الإسلامية وقوانين الأحوال الشخصية التي يصدرها البرلمان، تأكيد حرمة الانتحار، معتبراً إياه من" كبائر الذنوب" في إطار محاولات الحد من الظاهرة، خاصة بين فئات الشباب.
ويؤكد برلمانيون تحدثوا لـ" العربي الجديد" أن التوجيه الرئاسي قد يسرّع وتيرة مناقشة التشريعات داخل البرلمان، خلال الأسبوع المقبل، غير أن تمريرها يظل مرهوناً بتوافق مجتمعي حول قضايا شديدة الحساسية تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والاجتماعية والدينية، في وقت تعكس فيه القضية الأخيرة حجم الضغوط التي تواجهها بعض الأسر في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك